تركيا و"إسرائيل" والصراع على سوريا

لا يبدو أنّ السياسة التي ينتهجها أحمد الشرع تجاه الصراع التركي الإسرائيلي في سوريا تشي بقدرته على تحييد سوريا عن هذا الصراع، لكن يمكنه تلبية مطالب أميركية مرتبطة بالعملية السياسية الشاملة.

0:00
  • "إسرائيل" تصعّد وواشنطن تحلّ الخلاف مع تركيا.

أصبح من الواضح أنّ التنافس على سوريا بين تركيا و"إسرائيل" للتحكّم بالموقع الاستراتيجي أخذ أبعاداً صراعية حدّدتها "إسرائيل" بالنار بعد أن سارعت تركيا إلى حسم الاستيلاء على سوريا بواسطة المعارضة المسلّحة برضى غربي معتقدة أنه يمكنها إرضاء "إسرائيل" بحلول المعارضة في دمشق مكان النظام السابق وطرد إيران وحزب الله من الأراضي السورية، وسكوتها عن قصف "تل أبيب" مواقع عسكرية سورية برّرها الحكم الجديد في سوريا على أساس أنها إرث نظام الأسد وجيشه وكأنها ليست من مقوّمات الدفاع عن الدولة السورية.

"إسرائيل" التي تقدّمت عسكرياً واجتاحت مواقع استراتيجية في جنوبي غربي سوريا لم تقف متفرّجة على توسّع النفوذ التركي بل سارعت إلى عرض مشروعها لسوريا الجديدة التي تراها منزوعة السلاح ومقسّمة إلى دويلات طائفية وعرقية، واستغلت حصول المجازر في الساحل السوري على يد فصائل من النظام وقريبة من تركيا لتعبّر عن وجهة نظرها في الوضع القائم معزّزة بصمت الدول العربية والغربية التي آثرت لملمة الموضوع بعد إدانات شكليّة، وكانت الدول العربية النافذة قد رحّبت بالحكم الجديد في سوريا ووجود الشرع والمعارضة المسلّحة التي حلّت مكان النظام وتخلّصت من الوجود الإيراني.

التنافس بين تركيا و"إسرائيل"

تتفوّق تركيا على "إسرائيل" بعلاقتها المميّزة بأحمد الشرع رئيس سوريا الجديد وأصدقائه، وهي علاقة قوية تعود إلى بداية هيئة تحرير الشام أي عندما كانت تحمل اسم "جبهة النصرة"، فقد عملت تركيا منذ بداية سقوط النظام على عقد اتفاقيات وحصلت على امتيازات من النظام الجديد في دمشق، لكنّ سعيها للحصول على اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع سوريا لاقى معارضة ورفضاً دولياً ولا سيما أوروبياً، إلا أنها استطاعت أن تتغلغل في مفاصل الدولة السورية الجديدة التي تعتبرها جزءاً من أمنها القومي، أما هاجسها الأساسي فهو تأسيس الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا والشراكة القائمة بين قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة التي ما زالت تتمسّك بهذه القوات.

ومن نافل القول إنّ تركيا تعتبر المناطق الشمالية من سوريا جزءاً من أرضها إضافة إلى مدينة حلب، وكانت تطالب بمنطقة عازلة تقدّر بـ30 كلم قبل سقوط النظام.

"إسرائيل" التي بدأت بتثبيت قواعد عسكرية في الجنوب السوري اعترضت على إقامة قواعد عسكرية تركية واعتبرتها تهديداً لأمنها القومي وسعت للضغط على الولايات المتحدة من أجل عدم السماح بذلك، أما تركيا التي تسعى للحصول على قاعدة عسكرية في تدمر تماشياً مع مطالب الحكومة الجديدة وإمكانية إنشاء قاعدة لأغراض التدريب في إطار تعزيز قدرات الجيش السوري، وهي تريد إقامة قاعدة جوية في مطار منغ العسكري في محافظة حلب، ونسّقت مع الأطراف المعنية وأعلنت أنها تريد الحفاظ على وحدة أراضي سوريا وبسط الحكومة الجديدة سلطتها على كامل الأراضي السورية وإرساء الاستقرار والأمن الذي يعتبر أمراً بالغ الأهمية بالنسبة لتركيا.

تخشى "إسرائيل" من العلاقة القوية التي تربط تركيا بالشرع والفصائل الإسلامية المسلحة في ادلب؛ وهذا ما يدفعها لتشجيع بعض الدول العربية للتمدّد في سوريا بغية إضعاف النفوذ التركي في سوريا، إلّا أنّ قرب سوريا  من تركيا يمنحها الأفضلية بالتمدّد.

"إسرائيل" لن تسمح ببناء قواعد عسكرية في العمق السوري ولا بإدخال أسلحة استراتيجية كمنصّات الدفاع الجوي أو صواريخ باليستية إلى سوريا، ولا بتمدّد أيّ طرف إقليمي قد يشكّل تهديداً لها في المستقبل، لذلك تشهد الساحة السورية تنافساً تركياً  إسرائيلياً.

"إسرائيل" تصعّد وواشنطن تحلّ الخلاف مع تركيا 

تهدف "إسرائيل" لأن تكون مركز الشرق الأوسط، تدور في فلكها جميع  دول المنطقة، أي أنّها لن تقبل بوجود دول قوية في المنطقة منافسة لها سيما بعد أن ضمنت السلام مع الدول العربية وصمتهم عن حرب غزة لفترة عام ونيف، وها هي تحرّض الولايات المتحدة على ضرب إيران بعد الضربة التي وجّهتها  لحزب الله وسقوط الأسد، وهي تعبّرعن خشيتها من تنامي الفكر الجهادي في سوريا، ترى أنّ حصول تركيا على قواعد عسكرية سيؤدّي إلى خلط الأوراق من جديد، ويمثّل تهديداً محتملاً يؤثّرعلى حرية العمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، وترى أنّ الشرع يحاول بيع صورة جديدة للغرب بينما يعمل على تقويض أمن "إسرائيل" بإقراره إقامة قواعد عسكرية في سوريا.

لا يبدو أنّ السياسة التي ينتهجها أحمد الشرع تجاه الصراع التركي الإسرائيلي في سوريا تشي بقدرته على تحييد سوريا عن هذا الصراع، لكن يمكنه تلبية مطالب أميركية مرتبطة بالعملية السياسة الشاملة من أجل رفع جزئي للعقوبات على سوريا، عبر تلبية مطالبها وهي عدم إدخال أجانب الى الحكم ومسائل متعلّقة بالتنظيمات الجهادية والمقاتلين، التعاون في مكافحة الإرهاب وتعيين ضابط اتصال أميركي كذلك تدمير سوريا أسلحتها الكيميائية ومحاولة العثورعلى الصحافي الأميركي أوستن تايس.

النظام الجديد يعمل في الوقت نفسه على  خدمة الأهداف الإسرائيلية والأميركية والتركية وهو يريدها أن تتفق فيما بينها. وعلى الرغم من تصريحات رئيس وزراء "إسرائيل" بنيامين نتنياهو بأنّ المواجهة مع تركيا في سوريا باتت أمراً لا مفرّ منه، وأنّهم مستعدّون لخوض حرب مع تركيا، ألّا أنّ الخيار العسكري يبقى مستبعَداً طالما أنّ تركيا حليفة للغرب من جهة ولا سيما بعد أن طلبت أنقرة من الولايات المتحدة تحديد نفوذ كلّ من "إسرائيل" وتركيا في سوريا.

أما تعرّض الأماكن التي تريد تركيا إقامة القواعد العسكرية فيها لقصف إسرائيلي فهي جزء من تعبير "إسرائيل" عن رفضها المطلق  لمجرّد وجود قوة عسكرية لسوريا، والدخول الأميركي على خط الخلاف بين تركيا و"إسرائيل" أدّى الى التمدّد الأميركي شمال شرق سوريا، ومن ثم من الوسط عبر قوات سوريا الحرّة التابعة للأميركيين والتي سيطرت على الوسط قرب تدمر القريبة جداً من مطار تي 4 الذي كانت تنوي تركيا إقامة قاعدة عسكرية جوية فيه للوصول إلى قاعدة الضمير وإقامة قاعدة للتحالف الدولي يقطع الطريق على تركيا من أجل إقامة قواعد عسكرية في وسط سوريا، وهكذا تكون واشنطن والفصائل العسكرية المسلحة التابعة لها قد فضّت الاشتباك ونزعت فتيل التوتر القائم بين حلفاء واشنطن وخفّفت من حدة الاشتباك.

أما الانتشار في محيط العاصمة السورية في الضمير فهو يضمن لواشنطن عدم إمكانية عودة إيران أو وجود أي فصيل عراقي كما حدث  بعد 7 أكتوبر.

تركيا التي تقيم علاقات متينة مع "إسرائيل" لم تتوقّف علاقتها التجارية معها إبّان حرب غزة لا بل كانت تصدّر السلع والنفط والملابس العسكرية إلى الكيان الإسرائيلي، أما التعاون فهو كان ولا يزال في أعلى درجاته حيث تعتبر تركيا أكبر سوق للأسلحة الإسرائيلية وهي تحدّث طائراتها ودباباتها في "إسرائيل" إضافة الى التعاون الاستخباراتي الدقيق.

أما العلاقات الدبلوماسية التي تعرّضت إلى نكسة كبيرة عام 2010 فلقد جرى إصلاحها وهي عادت واستمرت، وهي شجبت عملية 7 أكتوبر في إحدى اجتماعات الناتو تعبيراً عن موقفها وتحاول الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كشريك فاعل سياسياً وعسكرياً لن تعرّض ارتباطاتها مع الأوروبيين لأيّ احتمال لحرب بين الدولتين.

أما "إسرائيل" فهي تريد الدخول بشكل مباشر أو غير مباشر على  المنافسة من أجل إعادة الإعمار في سوريا أي ستدخل في منافسة مع  تركيا في هذا المضمار.

أما لماذا الصوت الإسرائيلي كان عالياً في موضوع الحرب بين تركيا و"إسرائيل" فمن الواضح أنّ الأخيرة تسعى لوضع اليد على مزيد من الأراضي السورية للتفاوض عليها من أجل التطبيع  وضمّ الجولان وجبل الشيخ إليها.