إلغاء اسم سعد الله ونوس ثم التراجع عنه.. مرآة لجهل السلطة؟

السلطة الجديدة في سوريا ما زالت مُصرّة على تبديل الأسماء فقط، وليس الاعتناء بالجوهر. هكذا أقحم، عن جهل، صاحب القرار ربما، اسم المسرحي سعد الله ونوس كأحد رموز النظام السابق! كيف يتلقّى الوسط الثقافي السوري ما يجري؟

على ما يبدو أنّ السلطة الجديدة في سوريا ما زالت مُصرّة على تبديل الأسماء فقط، وليس الاعتناء بالجوهر، فبعد قرار كلية الفنون الجميلة التابعة لوزارة التعليم العالي بإلغاء الموديل العاري في مشاريع تخرّج الطلاب، برز قرار لوزارة التربية بتبديل أسماء عشرات المدارس، بغية إلغاء ما تمّ اعتباره رموزاً مرتبطة بالنظام السابق. 

لكن ما حصل أنه من بين الأسماء اللافتة التي تضمَّنها القرار، كان مدرسة باسم الكاتب المسرحي السوري الراحل، سعد الله ونوس (1941- 1997)، الذي كتب قبل رحيله كلمة "يوم المسرح العالمي" التي ألقيت على مسارح جميع الدول، وجاء فيها أننا جميعاً "محكومون بالأمل". 

صحيح أن وزارة التربية السورية تراجعت عن إبدال اسم سعد الله ونوس، وفق ما أعلنه وزير الثقافة السوري، محمد ياسين صالح على منصة "أكس"، إلّا أنّ القرار نفسه وطبيعته، أسفر عن رد فعل في الوسط الثقافي.

فقد قالت أرملة ونوس، الفنانة المسرحية، فايزة شاويش، إن: "سعد الله كان رمزاً وطنياً وليس من مفردات عائلة الأسد"، مضيفةً أنه "يستحقّ التكريم لا الإلغاء". 

وبينما يظل تغيير الأسماء مجرّد سياسة تنتهجها الحكومة لإبراز صورة لسوريا الجديدة، إلا أن ما ينقص تلك الصورة هو الوعي العميق بأهمية الأسماء القديمة، وأيضاً بمآلات الأسماء الجديدة. إذ لا يقتصر الأمر على اسم سعد الله ونوس، فمثلاً ماذا يعني تغيير اسم صحيفة "تشرين" إلى صحيفة "الحرية"، وأول قرار يصدر بعد ذلك هو إلزام الصحافيين بدوام كامل من دون أي مراعاة لطبيعة عملهم التي تفترض التحرّر من القيود الوظيفية التقليدية، وكأنّ مجمل القرارات الصادرة ما هي إلا توريات سطحية، لا تفيد بشيء سوى السعي لاقتلاع ما ينتمي اسمياً لنتاج الحكم السابق وحزب "البعث" الذي استمر قائداً للدولة والمجتمع لعقود. 

أما ما حصل مع الراحل سعد الله ونوس فقد حمل في طيّاته الكثير من الغرابة قبل أن تصحّح وزارة التربية خطأها الذي ينمّ إما عن جهل بمكانة واسم ونوس، أو أنها حاولت "لملمة الموضوع" بعد الضجة التي أحدثها قرارها في الوسط الثقافي السوري. ذلك أنّ جميع الأمم الحيّة تكرّم مبدعيها ونُخَبَها، فكيف بمُبدع مثل سعد الله ونوس الذي تم تكليفه بكتابة كلمة "يوم المسرح العالمي" في عام 1996 من قبل "المعهد الدولي للمسرح" التابع لمنظمة "اليونيسكو". إضافة إلى مسرحياته التي وصلت شهرتها إلى أغلب أصقاع الأرض، ومنها "حفلة سمر من أجل الخامس من حزيران"، و"الملك هو الملك"، و"سهرة مع أبي خليل القباني"، و"منمنات تاريخية" وغيرها الكثير، مما يعكس أفكاره التي ترفض القمع والحكم الشمولي، ودعوته المستمرة للوعي والتطلّع الدائم إلى الحرية ورفض الاستبداد، وإيمانه العميق بأنّ الديكتاتورية هي السبب الأول لهزيمة المجتمعات العربية، وانكسار المشروع القومي.

هذا ولا ننسى مراجعات ونوس النقدية وحواراته المهمة ودراساته التي كتبها في العديد من المجلات، وعلى رأسها مجلة "الحياة المسرحية" التي ترّأس تحريرها لعدة أعوام، هذا إلى جانب مواقفه المعروفة كمثقّف سوري عضوي فُصل من "اتحاد الكتّاب العرب"، فقط لأنه تضامن مع أدونيس وحنا مينا، ما حدا بأحد النقّاد المصريين حينها للقول بأن "الأدب في سوريا يُعرَف باسم ونوس أكثر مما يُعرَف باتحاد الكتّاب كلّه". 

مؤشرات سيئة وثقافة اللا تراكم مؤصلة

  • نورا مراد: سعد الله ونوس قيمة فنية وفكرية وإنسانية أكبر من أن توضع في أية زاوية ضيقة
    نورا مراد: سعد الله ونوس قيمة فنية وفكرية وإنسانية أكبر من أن توضع في أية زاوية ضيّقة

من خلال هذا التحقيق نسعى لاستطلاع آراء بعض المسرحيين حول قرارات السلطة الجديدة في سوريا ومعانيها وانعكاساتها الثقافية. ففي تصريح خاص بــ "الميادين الثقافية" أوضحت الممثلة والفنانة الحركية ومؤسسة فرقة "ليش"، نورا مراد، بأن "المؤشرات سيئة للغاية، فسوريا الجديدة تعمل على اجتثاث سوريا التي سبقتها بكل ما تعني الكلمة من معنى". 

وتضيف "يُعامل كل السوريين الذين بقوا في سوريا خلال (الثورة السورية) باعتبارهم فلول نظام الأسد، وهذا ليس فقط غير صحيح، بل غير واقعي. إذ ليس هناك بلد في العالم يقوم بثورة ويُخرج منه كلّ معارضيه. أعتبر أن من كان يسمى خلال الثورة بـ(سوريي الداخل) ساهموا بشكل كبير في حمل الانهيار الذي أصاب سوريا على أكتافهم، وقدّموا  كل ما في وسعهم للحفاظ على ما تبقّى. واليوم يطلب منهم صكوك (حسن سير وسلوك ثوري)، وهذا معيب ويحمل في طياته إهانة للسوريين جميعهم". 

وتتابع "أما عن الذاكرة، فيؤسفني القول إنّ سوريا بلا ذاكرة منذ قيام "البعث" وحتى هذه اللحظة التي يعاد فيها كتابة سردية الثورة بيد (المنتصر المسلّح)، وتداس فيها حقوق المغيّبين، ويعاد إنتاج وتكثيف لذاكرة سابقة مليئة بالظلم والعنف والجريمة".  

وتقول مؤسسة فرقة "ليش" إن "ثقافة اللاتراكم القائمة على هدم ما سبق وإعادة البناء من الصفر مؤصَّلَة في مجتمعنا، فلا أحد يعترف بجهود من سبقه معتبراً نفسه هو الأول والأخير، ويعتبر وجوده فرصة ذهبية لفرض رؤيته وآلياته، وينطبق هذا على المؤسسات الحكومية كما ينطبق على أي عمل يتطلّب مجموعة أو فريقاً، وهذا ما ساعد على كشف الانهيار الأخلاقي الذي بدأ يطفو على السطح منذ سقوط نظام الأسد وحتى الآن".

وتتابع أنّ سعد الله ونوس "قيمة فنية وفكرية وإنسانية أكبر من أن توضع في أية زاوية ضيّقة، إنه شخصية وطنية بامتياز، لم يعمل سوى للوطن الذي أوصل اسمه لكلّ أنحاء العالم، وساهم مع كثيرين مثله بتوسيع الوعي الفكري والاجتماعي والسياسي لأجيال فنية كثيرة. والذي حصل بشأن تغيير الاسم ومنع الموديل العاري في كلية الفنون هو مرآة لجهل السلطة ليس فقط بأبناء سوريا الأصيلين، وإنما بثقافة سوريا الأصيلة وبكونها وطناً لجميع أبنائها". 

"سوريا الجديدة لا تثق إلا بلون واحد"

  • سعد الله ونوس
    سعد الله ونوس

من جهته، يرى الناقد المسرحي، زيد الظريف، أنه من الواضح تماماً أن "سوريا الجديدة لا تثق إلا بلون واحد هو لونها، وثمة خطوات تتحوّل فيها سوريا تدريجياً لهذا الشكل، إذ ما يحصل أنه عندما يتمّ الاعتراض على جزئية ما فإنّ السلطة تقف وتراجعها، لأنه ليس هناك تمكين بأجهزة السلطة الأمنية حتى الآن، لذلك يتم اتخاذ قرارات ثم يتم تغييرها لكنه تغيير مؤقت".

ويضيف "لن تستقيم الأمور بهذا المفهوم الأيديولوجي إلا بهذا المنحى، فبالنهاية نحن أمام مشكلة لها علاقة باستحضار بنية قديمة سلفية جهادية كان لها شكل سياسي قبل 1400 سنة لكنها لم تتعرّض للتطوير أو المعاصرة على الإطلاق".

وعلّق على قرار وزارة التربية السورية قبل تراجع الأخيرة بالقول إن: "ما أراه أنّ إلغاء اسم سعد الله ونوس من ثانوية بريف دمشق، هو أفضل من أن يبقى اسمه في مكان لا يستحقّه، فنحن أمام مثقّف ومسرحي عالمي مثَّل سوريا عالمياً وأعماله تعبّر عما يسمى "المسرح السوري"، فونوس لم تكن له علاقة بنظام الأسد، وكان ليبرالياً حراً وهذا لا يعجب السلطات الأحادية والأيديولوجيات الأحادية حتى لو كانت ذات طابع اشتراكي لأنه مضاد للديمقراطية التي كان ونوس متأثراً بها وتحديداً ديمقراطيات الاشتراكيات الأوروبية، فهو تأثّر بالاشتراكية الفرنسية ذات الإطار الديمقراطي الذي لم يأخذ الطابع الاشتراكي الراديكالي المتعلّق بحكم بروليتاري أمني، كما درج بالأنظمة الشيوعية عموماً والأنظمة السياسية في أوروبا الشرقية". 

عداء مُبطَّن و"مشكلة شعب"

  • الظريف: إلغاء اسم سعد الله ونوس من ثانوية أفضل من أن يبقى اسمه في مكان لا يستحقه
    الظريف: إلغاء اسم سعد الله ونوس من ثانوية أفضل من أن يبقى اسمه في مكان لا يستحقه

ويذكّر الظريف بأن "ونوس كان في حالة عداء مبطّن مع كل ما له علاقة بنظام أحادي، ومع كل أشكال الأنظمة الخشبية على المستوى الديني والاجتماعي. 

ويقول: "إذا اعتبرنا أن النظم الاقتصادية والدينية والسياسية هي الحوامل لإدارة أي بلاد، فسعد الله ونوس كان ينتقدها جميعها، وهو ما يمكن تلمّسه في مسرحيات مثل "يوم من زماننا"، و"رأس المملوك جابر"، و"طقوس الإشارات والتحوّلات". لذلك لم يكن بحالة توافقية مع نظام الحكم السابق على الإطلاق، بل كان في حالة أخذ ورد غير مباشر حدّدت الكثير من وجوده وفاعليته الثقافية مثله مثل محمد الماغوط، وممدوح عدوان، المزعجين للسلطة، لكنهم نجوا من الآلة القمعية ولو ضمن حدود". 

الناقد الظريف على يقين بأنّ المسؤول عن تغيير أسماء المدارس هو "إنسان بسيط، فالكوادر التي تملكها السلطة غير مدرّبة وغير متعلّمة، ولا تحمل من المعرفة إلا معرفة دينية بسيطة، ولا تعرف كيف تُدار شؤون المؤسسات بطريقة مدنية، ولا يملكون اختصاصات عميقة، لذلك قد يكون المسؤول عن الملف اعتقد بأن سعد الله ونوس هو أحد شهداء الجيش العربي السوري في حقبة النظام". 

  • إلغاء اسم
    لائحة أعدتها وزارة التربية السورية بالمدارس التي سيتمّ تغيير أسمائها 

ويرى الناقد السوري أن "المشكلة بالأساس هي مشكلة شعب وكيف يتعامل مع نخبه، هذا الشعب جاحد تجاه نخبه، وما يحصل للسوريين منذ سنوات طويلة هو حالة الاستلاب من قبل السلطة السياسية، ما جعل هذه الأمة متخلّفة لم تصل إليها الحضارة، لذلك أعتبر كل نخبوي هو ضحية شعبه بالأساس، قبل أن يكون ضحية الأنظمة السياسية. فالشعب لا يحترم نخبه على الإطلاق، لذلك لن تقوم له قائمة إن لم تأتِ موجة ثقافة تغيّر ما يجب أن تغيّره لكي تصنع واقعاً جديداً لهذه الأمة وليس كما يحصل في الآونة الأخيرة". 

ويتابع "من الظلم ألا تجد النخبويين السوريين يتسيّدون بآثارهم الموجة السورية على المستوى الثقافي والإرث المعماري والفني والحضاري، ليس من المعقول ألا ترى تمثالاً لغادة شعاع صاحبة الذهبية الأولمبية. أبو العلاء المعري يتعرّض لكل ما تعرّض له، ممدوح عدوان، وحاتم علي، ونزار قباني ينبغي أن نكرّمهم بتماثيل في كلّ مكان، فهم غيّروا العالم، وغيّروا منحى ومسارات الثقافة السورية وصنعوا هويتها، فمن غير الجائز أنّ الثقافة الشعبية لا تعرف شيئاً عن أولئك لتحتفي بها وتقدّرها حقّ تقديرها. من لا يقدّر نخبه سيكون في التاريخ في مكان لا تحمد عقباه للأسف".

اخترنا لك