كيف نساعد العقل على تنظيم أفكاره؟
يمكننا الاستعانة بمقولة الإمام علي بن أبي طالب "لكل فضيلة رأس ولكل أدب ينبوع.. ورأس الفضائل وينبوع الأدب هو العقل".
تواجه كثير من الثورات وحركات الإصلاح والتغيير أزمة أخلاقية حادة، تنشأ من التباين بين القيم المعلنة لتلك الحركات، وبين سلوك الأفراد الذين يتولون قيادتها أو ينتمون إلى صفوفها. وعندما تنفصل المبادئ عن الواقع الأخلاقي للمجتمع الثائر، تفقد الثورة شرعيتها وتتحوّل إلى صراع خاو من الروح والمعنى.
وما يميز هذا الزمن الجديد أنه زمن العقل وسيادة منطق العلم، وبسبب هذا العقل فإن الإنسان يعيش ثورة علمية وتكنولوجية هائلة. فما كان مستحيلاً في الأمس فإنه اليوم وبحكم ممكنات العقل، أصبح جائزاً وبخدمة الإنسان وطوع بنانه.
لقد لعب الاتجاه العقلي في الفلسفات الإنسانية على تنوعها في الزمان والمكان دوراً هائلاً في التطور الفكري والحياتي لشتى الأمم الحضارية، فكان العقل لدى قدماء الأغريق، كما يرى عبد الرحمن بدوي في كتابه "ربيع الفكر اليوناني"، يوصف بــ "النوس"، وهو الذي ينظم الوجود بأسره، وقالوا إن العقل يتصف بصفات ثلاث هي: البساطة والعلم والقدرة، والبساطة تقتضيها القدرة، والقدرة تقتضي بدورها العلم، والقدرة يقتضيها التنظيم، لأن العمل الأول للعقل هو أن يكون منظماً للكل.
والعقل والحرية إذاً هما المدخلان الأساسيان للتنوير، وباجتماعهما معاً سارت عجلة التطور الإنساني إلى الأمام، وقامت الأمم وسادت الدول الكبرى، وتركت لنا هذه المسيرة الإنسانية تراثاً فكرياً وعلمياً وفنياً هائلاً. بالعقل والحرية قامت الحضارات وازدهرت، وبغيابهما حلّ الركود والجمود ومن ثم هيمن التخلف والتطرف والتعصب، وساد الطغيان والتجهيل وانحدرت الأمم نحو الانحطاط والأفول وتالياً نحو الانتهاء.
الحرية ركيزة التنوير
في نصه المعروف: ما هو التنوير؟ أجاب إيمانويل كانط: "إن التنوير هو القدرة والشجاعة على استخدام العقل، والتنوير داخلي يفترض الجرأة على تحطيم الأغلال وامتلاك الحرية، وحرية التفكير التي يحول دونها الجميع: حيث يقول الضابط لا تفكروا بل تمرنوا، ويقول جامع الضرائب لا تفكروا بل ادفعوا، ويقول الكاهن لا تفكروا بل آمنوا، وعلى النسق نفسه قال لنا حكامنا أطيعوا ولا تترددوا أو بلغة بعض الأحزاب الدغماتية العربية: "نفذوا ثم ناقشوا".
وبهذا المعنى وصف لنا الشاعر العراقي، معروف الرصافي (1875 – 1945) محنة التفكير في عصر التخلف والتعسف والاستبداد في الأربعينيات من القرن الماضي، وهو في كل الأحوال عصر لا يقارن بعصر القمع والذل الحالي، يصوره مكملاً لاءات كانط فيناشد قومه قائلاً بنحو ساخر:
يا قـوم لا تتكلـموا إن الكــلام محـرم
ناموا ولا تستيقظـوا ما فــاز إلا النـوم
وتأخروا عن كل مـا يقضي بـأن تتقدموا
ودعـوا التفهم جانبـاً فالخير ألا تفهـمـوا
وتثبتوا في جـهـلكم فالشر أن تتعلــموا
وها نحن نلاحظ أنه، وبسبب غياب الحرية اليوم من واقعنا الفكري والعملي غاب عن حياتنا العقلية فلاسفة بحجم ما عرفناه قبل قرون من الزمان، بل غابت الفلسفة نفسها.
لقد أقنعنا الجمود وقوة الفكر الشمولي والانغلاقات التراثية والاستبداد، إننا لم نعد بحاجة إلى الفلسفة أو الفكر النقدي، ما دمنا متمسكين بالماضي عقيدة وبالنصوص كبرنامج حياة.
إن الحرية الفكرية هي بوابة الفلسفة ومنتجة العلوم وركيزة التنوير، بها تتحرر العقول من التقليد والشمولية والظلامية والماضوية.
إن بناء الإنسان من الداخل هو أساس كل نهضة حقيقية، فرداً كان أو مجتمعاً؛ فحين ينهض الوعي، تنهض الرؤية، ويتحول الإدراك إلى سلوك، والسلوك إلى مسار يقود إلى التغيير العميق والمستدام. نعم هناك أفكار تحمل في جوهرها التغيير، والابتكار، وتحويل الرؤية إلى واقع ملموس.
رؤى عصرية جديدة
العقل جوهرة الإنسان وبه يتميز عن باقي الكائنات. إنه المصمم الذي غيّر هذا الواقع وانتقل بفضله من حال إلى حال ومن عصر إلى آخر، إنه صانع التاريخ والناقل للإنسان من الكهوف البدائية إلى آفاق المدنية والرفاهية، الواقع الجديد المصاغ بالعقل ساهم هو الآخر في تنمية قدرات العقل الخفية الكامنة واستنهاضها من أجل زجّها في ميادين معرفية متجددة.
من الأهمية معرفة أن عقلاً في الرأس بكل ثبات هو دعوة إلى التفكير الحر، دعوة إلى التحليق بعيداً من الأطر الصارمة. فهو، أي العقل، "إله" الزمن الجديد والخالق لأنماط الحياة المتنوعة. في الغرب ومنذ الثورة الصناعية وحتى ما قبلها، اكتشفوا أن العقل وحده هو خالق المعجزات وهو الصائغ لروح الإنسان من أجل سموّها وتطهرها.
العقل هناك تحرر من هيمنة التفكير اللاعقلي التي حاولت الكنيسة أن تجعل منه شرطاً وأسلوباً في الحياة. لقد وقف العقل سداً منيعاً أمام الهرطقات والبدع الدينية التي أشاعها تجار الدين وأرسلوا إلى الموت والفناء كل من حاول أن يخرج على أوهامها وخرافاتها، وبفضل العقل تم استنباط رؤى عصرية جديدة للدين ودعم المنطق التحليلي للوصول إلى الله، العقل هو من فصل الدين عن السياسة وعزل ما هو ثابت ومقدس عما هو متحول وبراغماتي، وهو الذي حدد وظائف الدين الروحية والنفسية ومن أعاد صياغة القيم الاجتماعية والأخلاقية ضمن نظام سياسي متكامل يرتكز على بنى اقتصادية رصينة وعلى مؤسسات قانونية ودستورية، بحيث تنظر إلى الإنسان كقيمة عليا يجب أن يرفل بالحرية والديمقراطية والحياة الكريمة، وجعل الدين عنصراً بناء وتقويماً للإنسان وليس عنصر هدم وتخريب كما كان يحصل في السابق.
ولكن في "شرقنا الإسلامي" لا يزال العقل فائضاً عن الحاجة والقائمون على سلطته الدينية والسياسية يحاولون أن يزيحوا العلم جانباً كونه يتقاطع، حسب تفكيرهم، مع ثوابت الدين. سيظل دوره مهمشاً، لأنه يحضر شاهداً بالإنابة ليس أبعد. ومن ثم لا يتم النظر إلى العقل باعتباره مستقلاً ولكنه تحت الوصاية. فالناس يوضعون تحت الوصاية بهذا المنطق. الابن تحت وصاية الأب، العامل تحت وصاية مرؤوسيه، الزوجة تحت وصاية زوجها، المجتمع تحت وصاية طبقاته المهيمنة.
إضافة إلى ذلك، ما زال التنجيم والاستخارة وملاحقة المستور أساليب لإدارة الحياة الدينية والدنيوية. إنهم يمزجون بين ما هو واقعي ولا واقعي وبين الحسي والحدسي وبين المعقول واللامعقول، حتى لو اضطرهم الأمر إلى تخريب الواقع وتهديم كل أشكال الحداثة فيه. لقد أقحموا الدين في كل مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية والعلمية، وألبسوا الآيات المقدسة جلباباً تأويلياً مهلهلاً على مقاسهم يناسب قناعاتهم، الجهل الذي يرافق الإنسان حين يسقط العقل من حياته هو الذي يجعل من هذره صنواً للكلام المقدس، إنها الإزاحة الكاملة لسلطة العقل في إدارة شؤون الحياة وهيمنة للقوى النفسية الانفعالية المتغيرة مع واقع الإنسان وانتقالاته.
العقل رأس الفضائل
في عوالمنا الإسلامية يجري تغليب لأنماط التفكير اللاعقلي في صياغة الحياة. إنها تخريب للواقع وللإنسان وتشويه للدين والأخلاق والقيم والقانون. لا وجود لدين حقيقي في المجتمعات اللاعقلية، بل صور دينية مشوهة بديلة ابتكرها الإنسان وجعل من ذاته الفقيرة صنواً للذات الإلهية الجبارة، وهنا يمكننا الاستعانة بمقولة الإمام علي بن أبي طالب "لكل فضيلة رأس ولكل أدب ينبوع.. ورأس الفضائل وينبوع الأدب هو العقل".
في الختام، إن الخلاص في قدرتنا على بناء التاريخ سيكون باستعمال العقل كما يرى الباحث المصري، سامي عبد العال: "الحضارة عقل، التكنولوجيا عقل، المدنية عقل، الديمقراطية عقل، الذوات عقول متحركة، المجتمع عقل. الخلاص هو تأويل العقل لمصلحة الإنسانية وارتياد آفاقها الرحبة".