بين الأسود والأبيض: الاختيار الصادق والثبات على المبادئ
السياسة الأخلاقية التي لا تقبل الحلول الوسط هي المنهج الذي يجب أن نتبناه في حياتنا. الاختيار الصادق في كل مجالات الحياة هو ما يميز الإنسان الذي يرفض المساومة على قيمه.
-
(فرانسيسكو دي غويا)
في عالم معقد ومتداخل تتصارع فيه المصالح وتتعدد فيه الرؤى، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة الاختيار الإنساني: هل هناك مجال للحلول الوسطى، أم أن الحياة تفرض علينا خيارات واضحة بين النقيضين؟
فكرة أن "بين الأسود والأبيض لا وجود للون الرمادي، ولا وجود لأنصاف الحلول"، ليست مجرد مقولة فلسفية، بل دعوة للوضوح والصدق في كل جوانب الحياة. إما الصدق أو الكذب، وإما الحق أو الباطل، وهذه الثنائيات المطلقة تضع الإنسان أمام مسؤولية أخلاقية كبرى تتطلب موقفاً ثابتاً واختياراً صادقاً.
السياسة الأخلاقية ليست نظرية مجردة، بل منهج حياة يتجسد في كل قرار وخطوة. فالضعف في مواجهة التحديات هو مراوغة تؤدي حتماً إلى الانكسار، بينما الثبات على الحق هو طريق النصر والتمكين.
حكمة الإمام علي التي تقول: "ما ترك لي الحق من صاحب"، تعكس عمق الصراع الذي يواجهه من يتمسك بالحق في عالم قد ينبذه فيه الأقربون.
المعايير الأخلاقية والإنسانية ليست تفضيلات شخصية أو قواعد يمكن التنازل عنها، بل هي أسس راسخة يقوم عليها بناء المجتمع السليم. والحرص على الآخرين، حتى على حساب الذات، هو تجسيد لهذه المعايير غير القابلة للتفاوض.
الأسس الفلسفية للأخلاق المطلقة
تُعد الفلسفة الأخلاقية ركيزة لفهم طبيعة الاختيار الصادق والثبات على المبادئ. منذ فجر الفكر الإنساني، سعى الفلاسفة إلى تحديد الصواب والخطأ، والحق والباطل. في هذا السياق، تبرز نظريات مثل الأخلاق المطلقة لإيمانويل كانط، وفلسفة الحق والباطل كأعمدة فكرية تدعم فكرة عدم وجود حلول وسط في المسائل الجوهرية.
الأخلاق المطلقة لإيمانويل كانط
يرى كانط أن الفعل الأخلاقي يجب أن يكون غير مشروط، أي أن يُمارس من دون أي استثناءات أو ظروف مخففة. فالصحيح هو صحيح، ويجب أن يتم حتى في أقسى الظروف. هذا المفهوم يرفض المساومة أو الحلول الوسطى في المسائل الأخلاقية الجوهرية. الاتساق والاستمرارية هما عاملان رئيسيان في فلسفة كانط، إذ يجب أن يُطبق السلوك دائماً طبقاً للقاعدة الأخلاقية التي يؤمن بها الفرد.
بالنسبة لكانط، فإن القيمة الأخلاقية للفعل لا تكمن في نتائجه، إنما في نية الفاعل والتزامه بالواجب الأخلاقي. هذا يعني أن الفعل الصادق، الذي ينبع من التزام خالص بالمبادئ، هو الفعل الصحيح بغض النظر عن العواقب المحتملة.
فلسفة الحق والباطل
الحق والباطل من القضايا المركزية في الفكر الفلسفي، وهما مرتبطان بالواقع والتجربة. الحق هو ما يتطابق مع الواقع، والباطل هو ما يخالفه. هذه العلاقة ليست مجرد مفاهيم مجردة، إذ تتطور مع تطور المعرفة والفهم. التمسك بالحق يتطلب الصدق مع الذات والواقع، وعدم الانجرار وراء أنصاف الحقائق أو الحلول التي قد تبدو مريحة ظاهرياً، لكنها تخفي الباطل في طياتها.
إن الاختيار الصادق والثبات على المبادئ ليسا مجرد مفاهيم فلسفية نظرية، بل يمتدان إلى الممارسات السياسية والاجتماعية، حيث تتجلى أهميتهما في مواجهة التحديات اليومية والظلم.
الصدق في الفلسفة السياسية
العلاقة المعقدة بين الصدق والكذب في المجال السياسي، تؤكد أن السياسة غالباً ما تتوتر مع الحقيقة، وأن الصدق لم يُعتبر تقليدياً من الفضائل السياسية، في حين يبرر الكذب كأداة ضرورية في الممارسة السياسية. هناك أسئلة جوهرية حول شرعية قول الحقيقة دائماً، وطبيعة الحقيقة في المجال العام، وهل السلطة بطبيعتها مخادعة.
إن التمسك بالصدق في مواجهة الباطل قد يكلف صاحبه الكثير، لكنه يمثل جوهر الكرامة والعزة. فالباحثون عن الحقيقة عبر التاريخ كانوا يدركون مخاطر عملهم، وقد يواجهون الاضطهاد أو الموت، كما في مثال أفلاطون في الكهف.
الثبات على المبادئ ومقاومة الضغوط
الثبات على المبدأ في مواجهة الضغوط هو شعار يجب أن يتحلى به الإنسان المؤمن. فالمعيار الحقيقي لتقويم الذات هو المبادئ، وليس آراء الناس التي تتغير بتغير الأهواء. التاريخ مليء بالأمثلة على الثبات على المبادئ، مثل العالم غاليليو الذي تمسك بحقيقة دوران الأرض رغم معارضة الكنيسة، والإمام محمد الباقر الذي قاوم الطغيان الأموي متمسكاً بقيمه.
تؤكد وصايا العارفين أن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في التزامه بالحق، وليس في مدح أو ذم الناس. على الشباب أن يلتزموا بمبادئهم وقيمهم وأحكام دينهم، وألا يتأثروا بالضغوط الاجتماعية والانحرافات. كما قال الإمام علي: "لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل"، ملخصاً جوهر الثبات على المبادئ.
هكذا يتضح أن الاختيار الصادق والثبات على المبادئ ليسا مجرد خيار أخلاقي، بل ضرورة وجودية تفرضها طبيعة الحق والباطل. كما لا يوجد لون رمادي بين الأسود والأبيض، ولا يمكن أن تكون هناك حلول وسطى في مسائل الصدق والحق. التمسك بهذه الثنائيات المطلقة يمنح الحياة معناها الحقيقي، ويصقل شخصية الإنسان، ويجعله قادراً على مواجهة التحديات والصعوبات.
لقد أظهرت النظريات الفلسفية أن الصدق والالتزام بالمبادئ هما أساس السلوك الأخلاقي السليم. كما بينت العلاقة المعقدة بين الحقيقة والسياسة أن التمسك بالصدق قد يكون مكلفاً، لكنه السبيل الوحيد للحفاظ على الكرامة والعزة. وأكدت الأمثلة التاريخية والدينية أهمية الثبات على المبادئ في مواجهة الظلم والضغوط.
السياسة الأخلاقية التي لا تقبل الحلول الوسط هي المنهج الذي يجب أن نتبناه في حياتنا. الاختيار الصادق في كل مجالات الحياة هو ما يميز الإنسان الذي يرفض المساومة على قيمه. الضعف هو مراوغة تؤدي إلى الانكسار، بينما الثبات على الحق هو طريق النصر والتمكين. لذا، فإن الدعوة إلى التمسك بالحق والصدق وعدم الانجرار وراء أنصاف الحلول هي دعوة لبناء مجتمع عادل وكريم، حيث لا يخشى الإنسان قول الحق حتى لو كلفه ذلك راحته أو أمنه، إيماناً بأن "ما ترك لي الحق من صاحب"، وأن المعايير الأخلاقية والإنسانية غير قابلة للتفاوض.