حين عثرت أمي على قبر أخي "مجهول الهوية"

بكيت كثيراً كأنني أبكي بمفعول رجعي. ذرفت دموعاً مؤجّلة منذ استشهد أخي. ساد صمت لكننا كنا نتحدّث مع أخي كلّ بينه وبين نفسه. رفعنا أمي التي ألصقت جسدها بالقبر. أقرأنا أخي سلام الله ورحلنا.

  • مقبرة جماعية في خان يونس بغزة لفلسطينيين قتلهم الاحتلال الإسرائيلي، 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2023 (رويترز)
    مقبرة جماعية في خان يونس بغزة لفلسطينيين قتلهم الاحتلال الإسرائيلي، 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2023 (رويترز)

في تمام الساعة السابعة والنصف من صباح 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، استهدفت طائرة مسيّرة إسرائيلية رأس أخي الصغير مفتتة إياه. كان المشهد كأنه مقتبس من فيلم رعب أخرجته هوليوود اللعينة ونفّذته "إسرائيل".

حينها، تكوّمنا أرضاً إلى جانبه غير مصدّقين ما حدث، وكأننا نحن من فارق الحياة وليس هو. نحاول البكاء لكنّ الدموع تأبى أن تخرج. أكاد أجزم أنني ما زلت أشعر بجفاف حلقي حتى اليوم. لكن فجأة اختفى الجثمان. لا نعرف أين ذهبوا به، من دفنه، وكيف دفن. لم نعرف لاحقاً سوى مكان الأرض التي احتوت الآلاف من جثامين الشهداء. من بين آلاف القبور، تعرّفت أمي، بغريزة الأم، إلى قبر أخي.

كيف استشهد أخي؟ قصفت طائرة حربية المبنى الذي نزحنا إليه، وخلال هروبنا راكضين في الشارع لا نعرف أين ستكون وجهتنا، حدث ما حدث. أذكر أنّ مجموعة من الرجال قالوا إن إكرام الميت دفنه. أتوا ببطانية ثقيلة لفوا بها جسد أخي. حملوا الجثمان إلى منطقة مغلقة. رافقهم والدي إلى المشفى ثم الدفن. كان مع الرجال بجسده فحسب، وعندما عاد قال لنا: دفناه في مقبرة بحي الشعف. لا أذكر أيّ تفاصيل أخرى.

بعد 3 ساعات من دفن أخي أعطوني ورقة صفراء فتحتها وما زالت آثار دموعي عليها حتى اليوم. ورقة اسمها "شهادة وفاة"، كيف شهادة وفاة، وأنا التي كنت أحلم أن أحمل شهادة الثانوية العامّة والجامعة كما حملت شهادات التقدير الخاصة بأخي؟ أتذكّر شهادة ميلاده حين وضعته أمي وكان وجهه كأنه البدر؟ كان من المفترض أن تحتضن يداي عقد قرانه، أما تلك الشهادة فهو من كان عليه الاحتفاظ بها لي وليس له.

دفن محمد في كيس بلاستيكي أسود فلم يحظ الشهيد ابن الأربعة عشر عاماً بكفن أبيض. عندما كنا نتحدث أنا وهو بعد مشاهدة الأخبار كان يقول لي، "مدام الروح صعدت إلى الجنة ما أهمية الكفن أو المكان، فأنا أرغب أن ألتحق بركب الشهداء ولو دفنت بكيس أو قبر جماعي لا يهمني. المهم أن في الجنة لا خوف من حزام ناري، ولا تجويع، أو فقد، فكوني أول الراحلين لن يأكل الحزن قلبي على أحد منكم".

بعد ما يقارب عاماً وشهراً من العدوان، جاء من أقصى المنزل أخي الأوسط ليزفّ لأمي بعد زياراته المستمرة لأشهر تلك المقبرة خبر معرفته مكان القبر من دون أن ينبش عشرات القبور. فقد التقى بوالد الطفلة التي استشهدت في اليوم نفسه ودفنت في الساعة التي دفن فيها أخي، وجزم بأنّ القبر الذي يجاور ابنته هو لفتى يلبس بزة رياضية كحلية وهو الرداء ذاته الذي استشهد به محمد.

كان الوضع الأمني خطيراً والاستهدافات لا تفرّق بين منطقة وأخرى. لكننا صمّمنا أننا غداً سنلتقي محمداً ونقرأ له الفاتحة ليحظى شهيدنا للمرّة الأولى بفرحة زيارة عائلته لقبره. مشينا 7 كيلومترات حتى أعيانا التعب، لكننا وصلنا. كانت أمي تتقدّمنا جمعياً. مشت حتى وصلت إلى قبر ما وجلست إلى جواره، وشرعت على الفور تقرأ بعض السور والأدعية.

حينها، لم نكن أنا وأخي الأوسط قد وصلنا إلى المقبرة. فقد توقّفنا عدة مرات نبحث عن أيّ أحد يبيعنا ماء ولم نجد، لكننا عندما وصلنا إلى السور، لكزت أخي وقلت له: أنظر إلى أمك أين تجلس. اتسعت عيناه ورجف قلبه موجّهاً حديثه إليّ "كيف عرفت مكان القبر وحدها؟ وأيّ ثقة تلك التي تجعلها تقف بجواره هو تحديداً؟".

كانت أمي تمشي خطواتها بقلبها لا بقدميها. كيف لا وهو طفلها الأصغر الذي رحل مقتلعاً قطعة من قلبها. كان يكفيها أن تعرف مكان وجوده بالناحية الشرقية من المقبرة مثلاً، لتكمل هي باقي المهمة. بكت أمي كثيراً لأنّ القبر كان عبارة عن رمال كتب عليها "مجهول الهوية". كيف يكون أخي مجهول الهوية وأمي تحارب في كلّ يوم، تسأل المارة، تتصل بالأصدقاء ومن حضروا الدفن ليدلوها على مكانه أو يعطوها طرف الخيط لتكمل هي وحدها.

جلسنا جميعاً إلى جانب قبره. جلبنا معنا النايلون وشاهداً للقبر من الخشب كي لا يبقى "مجهول الهوية"، كما عشرات القبور إلى جواره، إلى حين أن نتدبّر أمر بناء قبر له. بكيت كثيراً كأنني أبكي بمفعول رجعي. ذرفت دموعاً مؤجّلة منذ استشهد أخي. ساد صمت لكننا كنا نتحدّث مع أخي كلّ بينه وبين نفسه. رفعنا أمي التي ألصقت جسدها بالقبر. أقرأنا أخي سلام الله ورحلنا.

أنا وعائلتي محظوظون لأننا استطعنا معرفة مكان قبر أخي. هناك عشرات الآلاف من العائلات الفلسطينية تحلّلت أجساد أبنائها تحت الركام أو خلال القصف، أو أعادهم الاحتلال في شاحنة ضمن مجموعة من "مجهولي الهوية" بعد قتلهم في السجون، أو دفنوا في قبور جماعية، فلم يبقَ لأمهاتهم حتى فرصة زيارتهم.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك