غزة في قبضة الظلم

البحث عن مكان آمن كان، ولا يزال، أزمة لكل غزيّ في النزوح... ونحن بالكاد، وبصعوبة، وجدنا مكاناً.

  • عائلة نازحة في غزة
    عائلة نازحة في غزة

مفاوضات تدور حول ورقة موضوعة على الطاولة، والطرف المُخلّد نفسه بالجبروت والظلم يتلاعب بنا، ويمارس ألاعيبه علينا ليجبر المفاوض باسمنا على الرضوخ. 

وكالعادة، فإن ضحية هذه الضغوط هي الشعوب. فكيف ونحن نتحدث عن شعب غزة المرهق، المستنزف من كل طاقاته ومقدراته، المضغوط حدّ الانفجار؟ فبأي طريقة وحشية يا ترى سيزداد الضغط؟

بالطبع، لا بد أن تكون الطريقة في وحشيتها أقرب إلى أهوال القيامة، لأنها تنبع من عقل يظن أنه بالقوة سيقطف الثمار التي يرجوها. هل رأيت من قبل شجرة ضُربت بالفأس فأخرجت ثمارها؟ 

 هجوم الخميس

هذه المرة كان الفأس يضرب علينا مباشرة، فنلنا النصيب الأكبر من الضغط. ففي يوم الخميس، العاشر من تموز/يوليو، قبيل الفجر، باغت الاحتلال الصهيوني مخيمات مجاورة للمنطقة الحمراء، منها مخيم الرحمة، بالدبابات والجرافات، مخرجاً الناس من خيامها. وماذا تملك النفس غير نفسها إن كانت بين الدبابات والرصاص، وموت قريب؟

إن معظم قاطني هذه المخيمات هلعوا وبكوا، ورغم كل هذا، خاف المحتل أن تفشل اللقطة الدرامية بسبب رجل يأبى أن يذرف دمعة، ويركض وعلى كتفه صغيره ممسكاً بيده باقي الأسرة. أراد الاحتلال أن يُبكي الجميع فألقى عليهم قنابل مسيلة للدموع.

ليلة في العراء

هل نام أهالي هذه المخيمات؟ لا، بل باتوا ما تبقى من الليل في الشوارع، متوجسين، بعيون مفتوحة تترقب ظهور الخيط الأبيض في السماء، وعين تراقب غياب الأمان في منطقة وسمت بأنها "آمنة". 
مع أول شعاع للشمس أنار السماء، سلّم الناس أرجلهم للريح من دون وجهة محددة. كل ما أرادوه وفكروا به فقط: منطقة أقل خطراً.

عندما حل الصباح، وصلت إلينا خالتي وأولادها (أحد القاطنين في تلك المنطقة). روت لنا ما تعرضت له. أما نحن فكنا قبلها، طوال الليل، نرى القنابل المضيئة، وسمعنا فجراً صوت الدبابات والرصاص والقذائف، إضافة إلى صوت نسف مربعات سكنية. كنا بالقرب من كل هذا.
أقل من ساعة بعد مجيئ أقربائنا، الذي لم ينالوا قسطاً من الراحة حتى بدأ الصراخ يلف أرجاء مخيمنا. لم نكن مدركين لما يحدث في الخارج. وقفت أنظر إلى الشارع، فإذا بي أجد الناس تحمل حقائب ظهر وتغادر على عجل. النساء كن يعدلن أثواب الصلاة على رؤوسهن وهن يمشين!

إلى أين؟

هنا عرفت أن صباحي ليست "صباح الخير" كما اعتدت رؤيتها تزين السماء بين الغيوم، بل هو الشارع الترابي المعجون بمآسينا يقول لي: "صباح الدبابات الموشكة على الاقتراب منكم".

في هذه الأوقات، يصبح التفكير ترفاً. فهي والحالات الطارئة صديقتهما السرعة. بديهياً، ليس أمامك سوى المغادرة، فقد فُرضت عليك، لا تفكر بالبقاء، وما تأخذه أيضاً يُفرض عليك.
ونحن أبينا أن نرضخ للمفروض، فنعود إلى الصفر، بل إلى السالب، فنحن على بعد منه بأعشار لبقائنا أحياء.

مشهد الدبابة: الخوف في أبشع صورة

لملمنا أغراضنا على عجل "أهم الأشياء"، وألقينا فراشنا في الوسط على أمل أن نجد سيارة تنقلنا فتنقذنا من نوم الأرض والذل بالطلب أو السؤال. غادرت خالتي قبلنا من دون أن ننتبه، ربما لأنها تعرف إلى أين ستؤول الأمور، فهي جرّبت، وغادر الجزء الأكبر منا وعلى ظهر كل منا حقيبته، وقتها رأيت الدبابة. كانت تقف على مدخل شارع يؤدي إلى مخيمنا، كبيرة الحجم على عكس ما تخيلت. فقد كانت تقف بالعرض، تراها فتخطر ببالك كلمة "حرب".

فوهتها، الحمد لله، لم تكن موجهة نحونا، علماً أن قلوبنا ليست بحاجة لرؤيتها مصوبة نحونا كي تهلع، فقد أهلعتها، فكرت بأنها خلفنا، فكيف ونحن نراها الآن؟

رؤيتها أنستني أن لي عقلاً ينسج التساؤلات، وقمت فقط بنصب عينيّ بكامل تركيزهما على الطريق لأتأكد من أنني ابتعدت، وأنها تختفي من ورائي فقط، وليس من ذاكرتي. مع رؤية الجميع ينزحون، يركضون، يمشون بتعب، هنا عاد عقلي لوظيفته بتساؤله: ألم تكن الأخبار تتحدث عن هدنة؟ وأي أخبار تقدم بالمفاوضات ستقنعهم؟
تركت هذين السؤالين من دون جواب، فهناك دبابة خلفي أقرب من الهدنة، وهناك من هم أولى بالتفكير، وهما الفردان الأهم: أبي وأمي، والجزء المتبقي معهما.

الدموع غصباً... والخروج خلسة

سرت إلى الأمام، إلى منطقة أقل خطراً، وبالتأكيد الدبابة سارت إلى الأمام أيضاً، فهل تكون وصلت إليهم؟
أجرينا معهم اتصالات، فعلمنا أنهم يخرجون الأغراض خلسة كي لا تراهم الدبابة، فهي بالسطر الخلفي لخيامنا.

قالوا إن العدو أحرق الخيام — هؤلاء قوم يعشقون الخراب— والرصاص لم يتوقف.

فوق دخان حريق الخيام التي خنقتهم، رموا عليهم قنابل مسيلة للدموع، يريدون إخراجهم غصباً، بدموع وحالة يُرثى لها.

جوع وخوف 

الحمد لله، خرجوا بسلام، واجتمعنا معهم عصراً، وكنا جميعاً بلا طاقة. ففي هذا النزوح، كانت طاقتنا تنبع من الخوف، ولم يكن مصدرها الطعام.

كنا ننزح بينما تُمارس علينا سياسة التجويع والتعطيش، ولما خرجنا من خيمتنا، كانت في بطوننا فقط نصف رغيف خبز محشي بالفول.

ولأن الخطر أصبح بعيداً عنا، صار بإمكاننا التفكير في بطوننا المقرقرة. ذهب أحدنا ليشتري ما يسد به الرمق، فوجئنا بالأسعار الفلكية. تخيل رغيف صاج أرق من الصاج نفسه، أقرب إلى حلى الكريب بحجم كف اليد، وسعره 3 شواكل (أي دولار واحد)!

إنه أمر متوقع، فالمواد الغذائية شحيحة في السوق، ولكننا في مكاننا كنا قد تركنا السوق لأصحابه، واعتمدنا على المتوفر لدينا. وعندما اضطررنا إلى السوق، صُدمنا، واشترينا طعاماً لا يشبع.

نمنا على الأرض فاستيقظنا متكسرين، لا أدري كم من عائلة افترشت السماء، لكنهم بكل تأكيد كثيرون.

والسؤال الأهم الآن: هل درى عنهم أولئك الذين يدعون لغزة منذ 600 يوم وأكثر، ويكملون الدعاء متجاهلين أنه يحتاج إلى فعل أيضاً؟

العودة المؤقتة: ليلة من نار

بعد ساعة من استيقاظنا، جاءنا خبر انسحاب آليات جيش الاحتلال من منطقتنا. ولأن لا متسع في المنطقة الآمنة المزعوم وجودها، فنحن في قطاع غزة نوشك أن نغرق في البحر، ولم نرَ أو نشعر بأي "منطقة آمنة". من أجل هذا، عاد جزء منا ليجرب ليلة واحدة، لنأخذ قرار العودة.

يوم السبت، بعد أن قالوا إن الليلة كأي ليلة حرب، وإن بعض الجيران عادوا، عدنا ورتبنا أغراضنا، ووكلت أمري لله الذي سيأتي أماننا من عنده وحده. وكانت الليلة فعلاً كأي ليلة من ليالي نزوحنا في هذه المنطقة: قصف، نسف، تحليق طائرات... والمعتاد في الحروب.

في اليوم التالي، الأحد، صباحاً، أكملنا العمل وكان الوضع مطمئناً، وظننا أنه يتجه إلى استقرار، حتى إن وتيرة عودة الجيران زادت. لكن ليس كل ما نظنه ونأمله ندركه.

السيناريو يتكرر... والرضيع شاهد جديد

عصراً، عاد صوت إطلاق الرصاص يدوي بقوة، وعاد صوت حركة الدبابة. أي، بدأ السيناريو يتكرر على أسوأ وجه، حيث أُصيب أحد جيراننا.

لهذا، كانت مغادرتنا أسرع إلى مكان أقل خطراً لكنه قريب. لم نكد نجلس في المكان حتى جاء شاب يصرخ:
"البسوا، البسوا! الدبابة عند المسلخ!"

بدأ الجميع يركض، يمشي بأسرع ما يمكنه. ابتعدنا ووقفنا في نقطة ننتظر أن نجتمع لنعرف وجهتنا التالية. وفي هذه الأثناء، مرت أمامنا فتاة كانت تحمل على يدها طفلاً رضيعاً، فأخبرتها أختي أن تغطيه، فقالت لنا: "إنه وُلِد بالأمس!"

للأسف، كُتب له أن يكون أول أيامه نزوحاً وهروباً وخوفاً، فقط لأنه وُلِد في قطاع غزة، وعليه أن يتحمل هذه الحياة مع أول نفس يلتقطه. إلى متى؟ وهل يكون آخر نزوح؟

اجتمعنا مع باقي إخوتي، ومع قرب غروب الشمس، أصبحت مآسينا بلا وضح النهار لتُكتشف وبدأ القمر يطلع علينا، ولأن ضوءه لن يكفينا، ولن يكفي مآسينا ليكشف عن كل جوانبها، أو على الأقل لن نعرف ملامح وجوه باتت شاحبة كالجثث.

هنا عزمنا على المغادرة. فماذا نحن فاعلون في الشارع سوى الوقوف؟ وهل سيفعل الشارع لنا شيئاً لنظل في العراء؟

ذهبنا إلى قريب لنا، على مقربة منا، وأمضينا ليلتنا عنده. وبعد ساعة من الفجر، وصلنا خبر انسحاب آليات الجيش.

ومع بزوغ الشمس وإنارة السماء، غادرنا عائدين إلى خيامنا. اكتشفنا أن سقف خيمتنا قد تلقى شظية، وشقها شقين، صغيرين لكنهما واضحين.

وربما بفعل الشقين، استقر قرارنا على الرحيل من المنطقة، حتى يأتي إنذار يبشر بأنها أصبحت منطقة خضراء. واقعياً، لم نعد نملك قدرة على البقاء في خوف دائم، ولا نعرف أين نذهب وفي أي دقيقة نركض.

إن البحث عن مكان آمن كان، ولا يزال، أزمة لكل غزيّ في النزوح... ونحن بالكاد، وبصعوبة، وجدنا مكاناً.

لا يسعني الآن إلا أن أسأل: إلى متى؟ وهل هذا الضغط سيؤدي إلى هدنة، أم إلى تحقيق غاية المحتل في حصر السكان في منطقة "المواصي"؟

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك