ما أكثر الطهاة وما أقلّ الروائيين!

ما زاد في الطنبور نغماً انتشار ورشات الكتابة على نحو كاسح على غرار ما يحدث في ورشات التنمية البشرية، وورشات تعليم الرقص، واليوغا، والطبخ، وذلك بوهم اكتساب المهارة الأدبية بأسبوع أو أسبوعين، على غرار دورات التدريب العسكرية.

  • ليو تولستوي في مكتبه (إيليا ريبين)
    ليو تولستوي في مكتبه (إيليا ريبين)

ليس لديّ وصفة جاهزة لتعيين آفاق نهضة الرواية العربية، العنوان الذي يتكرّر في الندوات والمهرجانات الأدبية والمختبرات السردية كطبق جاهز لا يحتاج إلى تسخين. كما لا أمتلك "كاتالوغ" إرشادياً يحلُّ هذه المعضلة ويفكّك مغاليقها! 

ما أكثر طهاة الرواية، وما أقلّ النقّاد. ذلك أنّ المسافة طويلة بين عمل الحكواتي ومختبر الروائي. لا يكفي أن تمتلك حكاية كي ترويها على الملأ، فما ينقص هذه الوجبة الجماعية الفلفل الحار في علبة السردين، أقصد تلك اللمسة الجمالية التي تدير الرأس والمخيّلة والذائقة. 

وما زاد في الطنبور نغماً انتشار ورشات الكتابة على نحو كاسح على غرار ما يحدث في ورشات التنمية البشرية، وورشات تعليم الرقص، واليوغا، والطبخ، وذلك بوهم اكتساب المهارة الأدبية بأسبوع أو أسبوعين، على غرار دورات التدريب العسكرية. إذ تخلع زيّاً وترتدي آخر بنجمة على الكتف، فهؤلاء الجنود الأغرار "غشماء السرد" سيقتحمون الأسوار العالية للكتابة بشجاعة الجهل في المقام الأول. 

أغرار أتوا المصلحة مباشرة للحصول على شهادة سياقة عمومية، والصعود إلى عربة الروائي من دون فحص مستوى خزّان الوقود، وصلاحية العجلات، أو حاجتهم إلى وظيفة نوعية هي مهنة القارئ، فهؤلاء يأنفون من عمل معاون السائق، فلا وقت لديهم لتزييت محرّك العربة أو معرفة مواقع حفر الطريق. 

الآن، أينما التفتَّ سترتطم بروائي ما خرج للتو من غرف إحدى ورشات الكتابة يتأبّط وصفة من الدروس الخصوصية، والأسئلة المتوقّعة في الإمتحان، من إحدى هذه الصيدليات المناوبة لبيع حبوب الوهم، وبعددٍ هائل من الفانز أو "المطيباتية"، فيما تُهمل عشرات التجارب الروائية المُلهمة سردياً وجمالياً لأنها لم تحصد جائزة أو تصفيقاً من حشود الفضاء الأزرق، أو التفاتة من ناقد نزيه. 

ما لم يعلمه أحد أنّ حنّا مينا لجأ إلى الرواية بعد أن كان كاتب عرائض ثم حلّاقاً في الميناء، وأنّ هاني الراهب نشر أول قصصه في بريد القرّاء، وأنّ محمد شكري تعلّم القراءة والكتابة بعد حالة تسكّع طويلة في شوارع طنجة، قبل أن يكتب "الخبز الحافي". 

على الأرجح، فإنّ أهمّ معوّقات الرواية العربية اليوم غياب مهنة الناقد الذي استبدل بناقد "الدليفري". هذا الكائن الطارئ الذي يوزّع الوجبات الساخنة وفقاً لمصالحه الضيّقة، بما يشبه الفزعة البدوية في إطاحة هذا النصّ وإعلاء شأن نصّ آخر. 

ما تحتاجه الرواية العربية اليوم هو إعادة توطين النصوص الاستثنائية في سجّل النفوس الأدبي، السجل النزيه لا المزوّر، وإعادة الاعتبار إلى الناقد الموسوعي بوصفه مرجعاً استراتيجياً في إزاحة البثور عن الجسد السردي المريض، والعمل على ردم الهوة بين النصّ والقارئ. ذلك أنّ معظم النقّاد اليوم يخاطبون بعضهم بعضاً بمصطلحات مغلقة مسحوبة من مخلّفات النظريات النقدية الأوروبية في ستينيات القرن الماضي وما بعدها. 

هكذا يحضر جيرار جينيت، ورولان بارت، وجاك دريدا، كشهود زور على نصوص مرتبكة وعليلة، فيما يأنف النقّاد أنفسهم عن رفع اليد بتحية عابرة للجاحظ وأمثاله على سبيل الشكر للأسلاف العظام. 

وعلى الرغم من كل هذه الارتباكات في المشهد الروائي العربي، إلا أننا سنحظى بين فترةٍ وأخرى بلاعب يخرج عن النصّ ويسدّد الكرة نحو شِباك القارئ. 

على المقلب الآخر، ستواجهنا محنةٌ أخرى لا تقلّ خطراً عمّا سبق، تتعلّق بعناية بعض الروائيين بما يطلبه الآخر من منكّهات، وليس القارئ المحلي كمن يوضّب سلعة بتوابل حريفة بقصد التصدير وذلك بوهم دمغة العالمية. الروائي الذي يعمل كمخبر محلّي في دكاكين الاستشراق. 

ولكن كيف تكون روائياً عالمياً وأنت مجهول النسب في الحيّ الذي تقطنه، ثم من قال إن الترجمة إلى لغة الآخر مقياس للجودة؟ لنعترف بأنّ هناك تشبيكات غامضة لتوضيب البضاعة وتغليفها بسلوفان المصالح الشخصية في معظم عمليات الترجمة، وإلا لماذا لا نجد في الفهرس اسماً عربياً لامعاً بعد ترجمته إلى اللغات الأخرى، عدا أسماء معدودة؟

كي لا أكونَ سوداوياً بالمطلق، أظنّ أنّ خريطة روائية عربية تعمل في الظل. إذ نقع بين فترة وأخرى على لقى نفيسة لروائيين بلا ألقاب أو أوسمة أو أوهام. إلّا أنّ المسألة الجوهرية تكمن بصعوبة الإلمام النقدي لمئات النصوص التي تصدر سنوياً، فالخريطة أوسع بمراحل من الإحاطة بها نقدياً. 

اخترنا لك