نضال الأشقر للميادين: المسرح يطرح الأسئلة الضرورية في الأوقات الصعبة

ما أهمية المسرح في ظل الفوضى وحروب الإبادة؟ الفنانة اللبنانية نضال الأشقر تجيب، وهذا ما قالته.

  • نضال الأشقر للميادين: المسرح يطرح الأسئلة الضرورية في الأوقات الصعبة
    نضال الأشقر للميادين: كل العالم حولنا يعاني الإبادة الجماعية

ما أهمية المسرح في عالم يعيش حالة من الفوضى وحروب إبادة، من غزة وصولاً إلى لبنان وسوريا؟ هذا السؤال طُرح على الفنانة اللبنانية، نضال الأشقر، ضمن برنامج "على محمل الجدّ"، الذي تعرضه الميادين. الأشقر أكدت أهمية استمرار المسرح كمكان يعيد إلى الناس إنسانيتهم، ويُعيد الإيمان والروح، ويطرح الأسئلة الضرورية في الأوقات الصعبة.

بشأن واقع المسرح في لبنان والعالم العربي، ودوره في الأزمات، ثم الجيل الجديد من الفنانين، تتحدث الأشقر. وهنا نص الحوار معها. 

***

بيار أبي صعب: العالم في حالة فوضى، والعلم تدهور تماماً. ننظر إلى المسرح، ما الحاجة أصلاً إلى وجود مبنى للمسرح؟ هل هناك مسرح في الوقت الحالي؟

نضال الأشقر: لا أعلم، لكنني أفكر في هذا الأمر. لقد وصلت إلى مرحلة أقول فيها: كل هذا العالم من حولنا يعاني الإبادة الجماعية، والحروب الأهلية، والحروب الطائفية والعشائرية والعائلية. لقد وصلنا إلى أسوأ وقت في حياتنا في لبنان، ليس فقط في لبنان، بل أيضاً في سوريا، وبالطبع في غزة وفلسطين. أسأل نفسي: المنطق يقول لي، ما حاجتك إلى المسرح؟ من سيأتي إلى المسرح؟ وما أهمية المسرح في ظل هذه الظروف التي نعيشها؟ هذه مرحلة تاريخية حاسمة لبلادنا، فهل نقف وقفة تاريخية، أم لا؟ كيف سنستمر، ليس فقط كفنانين، بل كشعب، كأهل لبنان، كأهل فلسطين، كأهل سوريا؟ كيف نستمر ونحن عالقون في مكانٍ يُدعى المسرح؟

في النهاية، القضية ليست مجرد حسابات أو ما يحدث حولنا، بل هي قضية وجودنا كبشر. عندما نأتي إلى المسرح، تستعيد أرواحنا حيويتها، يعود إيماننا، وتعود ثقتنا. ثم نرى العالم بإبداعاته، بتألقه، بشعره، بأدبه، بفنه عموماً، ويأتي المسرح ليطرح علينا الأسئلة في وقتٍ فقدنا كل شيء. المدن مدننا. دمشق، بيروت، أين هي؟ أين الثقافة؟ أين شارع الحمرا؟ أين الشعراء الذين كانوا يجلسون في المدينة؟ أقول: لا، يجب أن نستمر. يجب أن تبقى روح بيروت، ويجب أن يبقى مسرح المدينة منارةً للثقافة والمعرفة والعلم والفلسفة.

بيار أبي صعب: هناك من ساهم في صناعة هذا التاريخ المسرحي اليوم. كيف وصلت المرأة إلى هذه المرحلة في هذه اللحظة من الإنتاج المسرحي، ما الذي تغير؟

نضال الأشقر: هناك إنتاج مسرحي كبير وهناك كثيرون من الموهوبين، لكن بعضهم مضطر أحياناً إلى تقديم أعمال تسمّى "تجارية". لكن المسرح يجب أن يكون تجارياً وإلا فلن يمكننا تقديم شيء، المهم ألا يكون هناك إسفافٌ. خلال الأعوام العشرة الماضية، ظهر جيلٌ جديدٌ من الشبان الموهوبين في العالم العربي ولبنان، ولا يمكن تجاهل شخصيات مثل زينة دكاش، ولا يمكن التغاضي عن المواهب الصاعدة من المطربين والمؤدين والفنانين في العالم العربي، سواء في تونس أو الكويت أو سوريا. في سوريا، كان هناك شبان رائعون في الشاشات، لكن للأسف لم يكن هناك مسرح.

لكن المسرح نبع في لبنان، ونبع أيضاً في سوريا وفلسطين. كنت أعمل هناك مؤخراً، وهناك 4 مسارح في فلسطين: في رام الله، وجنين، والقدس. أما في غزة، فالمسرح مغلق حالياً، وهناك مسرح آخر. هذا الجيل الجديد من الفنانين يبذل جهداً كبيراً لأنه لا يحصل على أي دعم. نحن في المسرح، كما تعلم، نقدم عروضنا، لكن لا يمكننا تقديمها مجاناً، لهذا نقوم بتخفيض الأسعار ليتمكن الشبان من الحضور.

نحن في الحقيقة منتجون لكل عمل في مسرح المدينة، بدلاً من أن يدفع الشخص 1000$ يدفع 500$، أحياناً إن كان لا يملك المال، نطلب إليه أن يأتي ويقدم عمله. هذا الشيء نفعله ليس للأعمال العادية بل للأعمال التي يطلبها الجمهور.

على سبيل المثال، بالأمس كانت هناك قراءة شعرية في المسرح باللغتين العربية والفرنسية، وكان الجمهور منصتاً كأن على رأسه الطير. هناك شعراء صغار كانوا غير معروفين، وآخرون معروفون مثل سامر أبو هواش، وبالطبع حبيبنا محمود درويش. لكن هناك شاعراً كتب قصيدة، وفي اليوم التالي قُتل. بنظري كفنانة هذا هو مستوى من العمل كان يجب أن نقدّمه أيام الحروب. لأنه يساعد الناس على استعادة أرواحهم وشعورهم بإنسانيتهم. في كل لحظة، الحديث يدور بشأن: من استشهد؟ أين استشهد؟ كيف استشهد؟ كيف يقتحم الإسرائيليون القرى اللبنانية؟ ما الذي يحدث؟ من يقاوم ويبقى صامداً في الأرض؟ رأيت مشاهد جعلت قلبي يرتجف: ما الذي يحدث في الساحل السوري؟ في غزة؟ في جنوبي لبنان؟ هل الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على بلادنا بصورة مباشرة وغير مباشرة؟

لهذا، يجب أن يكون هناك مسرح. حتى لو لم تتناول المواضيع المسرحية الأحداث بصورة مباشرة، فالمسرح في حد ذاته موقف. الفنانون يعبرون عن موقفهم من خلال أعمالهم، وهذا شيء بالغ الأهمية بالنسبة إلي. المسرح ليس مجرد مكان مفتوح أو مغلق، بل هو مساحة للتعبير والاحتجاج. لا أعلم إن كان مسرح المدينة سيظل مفتوحاً أم لا، لكنني وعدت نفسي بأنني لن أسمح بإغلاقه، حتى بعد وفاتي. كل أصدقائي وزملائي، منى كنيعو، ناجي صوراتي، رنا بحصلي، سهى بستاني، يعرفون أنني لن أسمح بإغلاق المسرح بعد وفاتي.

مهم جداً أن نقدم أعمالاً مباشرة تتحدث عن الماضي والحاضر والمستقبل. المسرح هو استشراف للمستقبل. القراءة الشعرية، الرسم والنحت موقف، كل أشكال الإبداع حلم، وتجعلنا دائماً نحلم. وهي تمثل موقفاً وتجعلنا نحلم، وإلا فسنفقد هويتنا، وهذه الهوية هي حلاوة المدن والشعراء والكتاب والرسامين والمحاورين. الحوار، الذي يُعَدّ عاملاً مهماً. يجب أن نحافظ على حلمنا، وإلا فسنفقد روحنا. الشعراء والكتاب والفنانون هم روح المدينة، وهم من يدفعون الحوار الثقافي، وهذا الحوار ضروري جداً.

هناك شبان وطلاب ومثقفون، وهناك كبار السن الذين أحبوا المسرح. نشأت أجيال في المسرح، ثم جاءت الحرب، وانغمسنا في الجهل التام، بحيث أمضى الأطفال 17 عاماً أمام التلفاز من دون قراءة أو مشاهدة شيء حقيقي.

خلال الحرب، كانت هناك مسرحيات مهمّة، لكنها كانت قليلة ومتفرقة، تُعرض في الحمرا فقط من دون أن تصل إلى سائر أنحاء لبنان. بعد الحرب، بدأنا من جديد، وأتذكر أنه في مسرح المدينة قررت استقبال فنانين من العالم العربي: من حلب، بغداد، دمشق، فلسطين، تونس. جاء إلينا 1200 فرقة خلال 30 عاماً، وقدم الشبان المسرح اللبناني المهم، والمسرح العربي أيضاً.

جاء إلينا فنانون كبار، مثل الفاضل الجعايبي، محمد إدريس، وسليمان البسام من الكويت حاملاً لغة جديدة وأدوات حديثة. مثل أدواتنا التي بدأناها في "مُحترف بيروت للمسرح" مع نخبة من الشبان الرائعين، وعلى رأسهم روجيه عساف، رضا كبريت، سارة سالم، وسليم جمال الدين، والذين لم يأت مثلهم لأنها كانت فرقة محترفة، مع طلاب من الجامعة، مثل نقولا وجون شمعون. كذلك تضمنت أشخاصاً غير محترفين، في مسرحية "المفتش العام" كان لدي صديق من أنطلياس وهو نجار، لديه صوت جميل ويمثل في القرية. هؤلاء الأشخاص بين الـ 30 والـ 60، موهوبون كثيراً.

بيار أبي صعب: لكن في ذلك الوقت، كان هناك مشروع سياسي واضح، كان هناك شيء تحملونه.

نضال الأشقر: صحيح، للأسف، لم يعد هناك فكر سياسي يربط الجميع كما كان في السابق. لم أقل إن القيم والأخلاق ليست مهمة، لكنها ليست كافية. الفكر السياسي الرافض لكل ما هو إسرائيلي أو أميركي متخلف، كان يجمعنا حتى لو كنا في أحزاب متعددة.

كل الأحزاب كانت مرتبطة بفلسطين والأرض ارتباطاً عضوياً، لأن فلسطين هي الأرض الأولى التي استولى عليها الصهاينة بدعم بريطاني وفرنسي. العالم الذي يدّعي التحضر اليوم، انظر إلى ردة فعله تجاه فلسطين، تجاه الأطفال الذين يُقتلون، يرسل إليهم الطعام بالقطّارة، لا يرسل إليهم ماءً. لا كهرباء، لا بيوت، دمروا كل شيء. لأنهم اغتنموا الفرصة. هذه ليست أزمة جديدة، بل بدأت منذ زمن بعيد. غزة كانت دائماً سجناً.

بدر الحج قدّم محاضرة في المسرح منذ فترة، وأدخلناها كثيراً في مسرح المدينة لتسليط الضوء على قضية رسم الحدود وكيف باع لبنانيون وسوريون الأرض لليهود والصهاينة. رأوا حركة غير سليمة في فلسطين تحدث وهي بيع الأرض للصهاينة. هذه القضايا تمنح الفنانين مادة غنية لطرحها، تقدم إليهم مواضيع تاريخية، إنسانية، أخلاقية مهمة جداً يمكن طرحها.

بيار أبي صعب: لماذا المسرح؟ في الوقت الحاضر، يمكن لأي شخص الجلوس أمام هاتفه ومشاهدة ما يشاء، وإذا أراد الذهاب إلى السينما، فإنه يذهب بسهولة بفضل التكنولوجيا. صحيح أن هناك ضرورة لبقاء هذا المسرح الفقير والبسيط على تواصل مباشر مع الجمهور.

نضال الأشقر: لأنه المكان الذي في يدي كفنانة، وأتواصل به مع جمهوري، عبر هذا الخيط الرائع الذي نسجته بيدي. لقد بنيت هذا التواصل عبر السنوات، بيني وبين الجمهور، بحيث يوجد الأخذ والعطاء، وهو أمر لا يوجد في أي فن آخر على الإطلاق. السينما شيء آخر، والتلفزيون شيء آخر، أما المسرح، الذي يطرح هذه القضايا الدسمة أمام جمهور حي، فهو يحرّك كل شيء في الإنسان، كل مشاعره، كل أحاسيسه، عقله، قلبه وكيانه. في المسرح، يتحرك الجمهور، والفنانون يقفون أمامهم، يقرأون أمامهم، ويشاهدون كيف تعبر أعينهم. وهذا هو أملنا. هذا التناغم بين الفنان والجمهور هو ألمنا الحقيقي، وهو أملنا وثقتنا ومستقبلنا. لا أحد، لا أحد يمكنه منح هذا الشعور مثل المسرح.

بيار أبي صعب: أجيال متعددة واكبت المسرح، كيف ترين مستقبله اليوم في لبنان؟ كيف تتخيلين مستقبل المسرح؟

نضال الأشقر: ليس جيداً، ليس جيداً أبداً، لأن لبنان، منذ زمن بعيد، لا يَعُدّ الثقافة من أولوياته، على رغم أننا نملك مكتبة وطنية. على سبيل المثال، أدعو وزير الثقافة، وهو من القلائل الذين تولوا الوزارة ولديهم اهتمام حقيقي بالثقافة، وهو غسان سلامة. أقول له: غسان سلامة، لا تغادر منصبك قبل أن تفعّل جميع المسارح، وإلا فلن تتمكن من الاستمرار. حالياً، هناك بعض المسارح التي تتلقى دعماً محدوداً، لكنني أعلم من خلال مسرحي بأن الدعم يأتي من أشخاص مغرمين بالمسرح.

للمرة الأولى في حياتي، قبل نحو 5 أعوام، جاءت سيدة لم أكن أعرفها، حضرت مسرحية فيلم "مدينتان"، التي أخرجها ابني عمر نعيم لمهرجان المسرح عام 2016. وبعد العرض، تقدمت نحوي، وكانت امرأة جميلة وشابة، وقالت لي: "سيدة نضال، هل يمكنني أن أساعد المسرح؟" لم أصدق! للمرة الأولى يأتي أحد ليعرض المساعدة، وليس أنا من يطلبها. وفي اليوم ذاته، جاء شاب لا أعرفه، وكان يبكي في نهاية الفيلم. جلست أمامه، قال لي: "في الفيلم، تقولين إنكِ أفضل متسولة، وزوجك يقول عنكِ إنكِ أفضل من يتسوّل للمسرح. لا تتسوّلي من أحد، بل تسوّلي مني". لم أنسَ كلماته أبداً، ولن أذكر اسمه لأنه ربما لا يرغب في ذلك، لكن هؤلاء هم الأشخاص الذين يدعمون المسرح.

لكن الآن، وصلنا إلى مرحلة لم نعد قادرين على الاستمرار. لذلك، يا غسان سلامة، أنت المسؤول شخصياً عن حالة المسرح في لبنان، وكل مسرح مغلق يجب أن يُعاد فتحه. كل مسرح مُعطل يجب أن يُدعم. هذه مسؤوليتك. أنت شخص ناجح، ولم تفشل في أي مهمة كُلفت إنجازَها، وعليك أن تنجح في هذه أيضاً. لا يجب أن تَعُدّ الدولة اللبنانية الثقافة أمراً هامشياً، ولا يجب أن تغلق المسارح بحجة عدم جدواها. تخيّل أن يُغلق مسرح المدينة! لا، عليك أن تتحمّل مسؤولية هذه الأزمة التي نمرّ فيها.

أما بشأن أولوياتي، فأنا أريد أن أنهي أعمالي العالقة. أولاً، أريد إعادة تأهيل المسرح وإدارته بطريقة تتولاها الدكتورة منى كنيعو بطريقة ناجحة، وهذا ما يمكنني من العودة إلى فني. لدي مشروعان أحلم بتنفيذهما: الأول هو عمل مسرحي بعنوان شارع الحمرا. والثاني هو فيلم كتبه ابني عمر نعيم لي ولجورج خباز بعنوان نورا. والفيلم جاهز. نبحث حالياً عن تمويل لإنتاجه. بالإضافة إلى ذلك، أرغب في الاستمرار في الإخراج المسرحي، لكن فقط إذا تم إعفائي من الأعباء المالية. نأمل أن نجد من يساعدنا لنواصل عملنا.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك