رسوم ترامب الجمركية.. ما تبعاتها على الولايات المتحدة ودول العالم؟

بعد فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجموعة جديدة من الرسوم الجمركية على واردات من الصين ودول أخرى، يتوقع الخبراء تأثيرات سلبية لهذه السياسات، تشمل زيادة الأسعار والتضخم، ممّا يهدد الاستقرار الاقتصادي الأميركي، ويدفع نحو حرب تجارية متصاعدة.

  • الرئيس الأميركي دونالد ترامب على شاشة تلفزيونية أسفل شاشة تعرض مؤشر سوق الأسهم الألمانية
    الرئيس الأميركي دونالد ترامب على شاشة تلفزيونية أسفل شاشة تعرض مؤشر سوق الأسهم الألمانية "DAX" في بورصة فرانكفورت - ألمانيا - 3 نيسان/أبريل 2025 (أ ف ب)

فرض الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مجموعة من الرسوم الجمركية الجديدة على العديد من الدول، بما في ذلك الصين، بهدف "تعزيز الاقتصاد الأميركي"، لكن تلك السياسات التجارية، قد تؤدي إلى نتائج عكسية، ممّا يعكس تناقضاً بين الهدف المعلن والآثار الاقتصادية المتوقعة، وفق ما تشير إليه التحليلات والتوقعات. 

وفي خطوة غير تقليدية، أعلن البيت الأبيض عن استثناء المعادن الأساسية مثل الصلب والألمنيوم والذهب من الرسوم الجمركية الجديدة، وهو ما يساعد في تقليل تقلبات الأسعار في الأسواق. لكن ومع ذلك، فإنّ هذه الاستثناءات لا تزال تثير القلق بشأن التذبذب المستقبلي في سوق السلع الأساسية.

الرسوم الجمركية الجديدة: عبء اقتصادي على الأميركيين

في تصريحاته خلال حملته الانتخابية لعام 2024، تعهد ترامب بتحسين الاقتصاد الأميركي من خلال خفض الأسعار وفرض سياسات تجارية صارمة. ولكن بعد أشهر قليلة من توليه ولايته الثانية، بدا أنّ تلك السياسات تتحول إلى عبء ثقيل. فقد أعلن ترامب في حفل حديقة الورود عن فرض تعريفة جمركية بنسبة 34% على الواردات من الصين وبعض الدول الأخرى، وهو ما أثار قلق المستهلكين الأميركيين، بسبب زيادة الأسعار المستمرة والتضخم، بحسب مجلة "نيوزويك"

في هذا السياق، قال محللون وخبراء استطلاعات رأي تحدثوا إلى "نيوزويك"، إنّ التعريفات الجمركية الجديدة التي أعلن عنها ترامب، تهدد بتصعيد الحروب التجارية وإشعال فتيل الركود، وتأكّل ثقة الجمهور المتضائلة في تعامل ترامب مع الاقتصاد.
 
وقال مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في "موديز أناليتيكس"، إنّ "المستهلكين الأمريكيين يتحملون الجزء الأكبر من الرسوم الجمركية في صورة ارتفاع في الأسعار"، مضيفاً أنّ الاقتصاد الأميركي "سيعاني إذا نفّذ ترامب الرسوم الجمركية الجديدة، وردّت دول أخرى بفرض رسوم جمركية أعلى على السلع الأميركية".
 
وأوضح زاندي أنّ "الجمع بين الرسوم الجمركية والرد الانتقامي سيثقل كاهل الاقتصاد، وقد يدفعنا في كثير من الحالات إلى الركود".

وتُظهر استطلاعات الرأي أّنّ معظم الأميركيين "لا يوافقون على رسوم ترامب الجمركية، ويشعرون بالقلق من أنّها قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل عام".

ومن بين البالغين الأميركيين، قال 58% إنّهم يعتقدون أنّ الرسوم الجمركية تضرّ بالاقتصاد الأميركي، وفقاً لاستطلاع أجرته كلية الحقوق بجامعة "ماركيت"، ونُشر يوم الأربعاء. 

كما وجد الاستطلاع أنّ نحو ستة من كل عشرة بالغين يعتقدون أنّ "سياسات ترامب ستؤدي إلى ارتفاع حاد في التضخم".

وأظهرت استطلاعات رأي وطنية أخرى رفضاً عاماً مشابهاً لرسوم ترامب الجمركية، بما في ذلك استطلاع أجرته "CNN/SSRS" مؤخراً، والذي وجد أنّ 61% من الأميركيين لا يؤيدون تعامل الرئيس مع الرسوم الجمركية.

كما أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة أنّ "الناس أصبحوا أكثر تشكيكاً في قدرته (ترامب) على الوفاء بوعوده".

جدال بشأن أرقام الرسوم الجمركية

وفي وقتٍ لم يتضح على الفور على ما استندت إليه الحسابات الموضحة في الرسم البياني للرسوم الجمركية التي أعلنها، يبدو أنّ العديد من مستويات الرسوم المدرجة جاءت بشكل غير متوقع. 

وقد تأثرت العديد من الدول النامية بشكل كبير بهذه الرسوم، خاصة الدول التي تعتمد صناعتها على صادرات منخفضة التكلفة. وقد أثيرت تساؤلات حول كيفية حساب هذه الرسوم.

وفقاً لصحيفة "فايننشال تايمز"، فقد "جرى حساب معدلات الرسوم الجمركية بناءً على الفائض التجاري للدول مع الولايات المتحدة، وتقسيمه على إجمالي وارداتها. لكن بعض المحللين انتقدوا هذه الحسابات بسبب الطريقة المعتمدة، التي قد تضر بالدول النامية مثل بنغلاديش ومدغشقر.

تأثير الرسوم على الدول الأقل نمواً

في هذا السياق، أشارت وكالة "بلومبرغ" إلى أنّ الرسوم الجمركية الجديدة "ستؤثر بشكل خاص على بعض أفقر دول العالم، ممّا يزيد من التحديات الاقتصادية لهذه الدول".

ففي الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تقدم مساعدات لهذه الدول، لاحظ المحللون أنّ هذه الرسوم قد تؤدي إلى تقليص قدرة تلك الدول على تصدير سلعها إلى السوق الأميركي. وستجعلها تضطر إلى لبحث عن أسواق بديلة في أوروبا أو اليابان.

وتعليقاً على ذلك، قالت ديبورا إلمز، رئيسة قسم السياسات التجارية في مؤسسة هينريش: "إنّها كارثة بكل المقاييس"، فرسوم جمركية تقترب من 50% بين عشية وضحاها "ستكون مستحيلة".

وأضافت أنّ العديد من هذه الدول "تتمتع بإمكانية الوصول إلى الولايات المتحدة من دون رسوم جمركية باعتبارها من أقل الدول نمواً"، موضحةً أنّ هذه الدول "قد تتجه إلى أسواق أوروبا واليابان وأستراليا بدلاً من الطلب الضعيف في أماكن مثل الصين".

نظراً لهذا التأثير الكبير الذي خلفته على الدول الأكثر فقراً، تساءل المحللون عن مدى عدالة حسابات التعريفات الجمركية الأميركية. وفي الإطار،  كتب تومي شيه، رئيس أبحاث الاقتصاد الكلي الآسيوي في مؤسسة "أوفرسيا - تشاينيز" المصرفية، أنّ "هذه الصيغة تعاقب فعلياً الدول التي تعتمد اعتماداً كبيراً على الولايات المتحدة كمشتري صافٍ لسلعها، بغض النظر عمّا إذا كان هذا الفائض مدفوعاً بممارسات غير عادلة فعلية أو مجرد تموضع في سلسلة التوريد".

وعلى وجه الخصوص، "تعاقب هذه الصيغة الدول النامية الصغيرة، مثل كمبوديا التي ببساطة لا تملك القدرة على شراء الكثير من الولايات المتحدة"، بحسب تومي شيه. 

وقال المتحدث باسم الحكومة الكمبودية بين بونا عبر رسالة نصية إنه لا يستطيع التعليق على التعريفة الجمركية حتى الآن، وأن الأمر قيد المراجعة.
تشعر الدول الآسيوية بالقلق أيضاً من تدفق السلع الصينية الأرخص إلى أسواقها نتيجةً للآثار المترتبة على ارتفاع الرسوم الجمركية الأمريكية. فُرضت على الصين رسوم جمركية متبادلة بنسبة 34%، بالإضافة إلى رسوم جمركية بنسبة 20% فرضها ترامب هذا العام.

قال إلمز من مؤسسة هينريش: "إن محاولات الصين لإيجاد أسواق جديدة للسلع التي كانت مخصصة سابقاً للولايات المتحدة ستُضطر إلى تحقيق نتائج ملموسة، على الأقل على المدى القصير. وهذا سيؤدي إلى توترات جديدة مع جيرانها".

انتقادات لاستراتيجية ترامب

وعلى الرغم من أنّ ترامب يعتقد أنّ فرض الرسوم الجمركية سيسهم في تعزيز الصناعة المحلية، إلاّ أنّ الكثير من المحللين يرون أنّ هذه السياسات قد تؤدي إلى ركود اقتصادي بدلاً من الازدهار.

في مقال له بصحيفة "نيويورك تايمز"، يوضح الكاتب الأميركي، توماس فريدمان، أنّ ترامب يعاني من "تفكير سحري"، حيث يعتقد أن فرض الرسوم الجمركية سيعزز الإنتاج المحلي بسرعة، بينما في الواقع يتطلب الأمر سنوات لإعادة بناء سلاسل التوريد العالمية.

وقال فريدمان إنّ استراتيجية "يوم التحرير" التي يتبناها ترامب، "ترتكز على فرض المزيد من الرسوم الجمركية وتقويض مؤسساتنا العلمية الوطنية وقوتنا العاملة، بينما تفتتح الصين المزيد من مراكز البحث والتطوير، وتستثمر بقوة في الابتكار المدفوع بالذكاء الاصطناعي لتحرّر نفسها بشكل دائم من رسوم ترامب". 

وأضاف أنّ رسالة بكين إلى واشنطن واضحة، وهي: "لسنا خائفين منكم.. أنتم لستم كما تظنون أنفسكم، ونحن لسنا كما تظنوننا."

ورأى فريدمان أنّ  الصين "لا ترغب في حرب تجارية، مع الولايات المتحدة، على الرغم من كل نقاط القوة التي تمتلكها"، مشيراً إلى أنّ بكين بحاجة إلى "صفقة تجارية مع ترامب لحماية محرك التصدير الصيني"، كما تحتاجها واشنطن.

لكن المشكلة أنّ ترامب "أصبح شخصية يصعب التنبؤ بها، بحيث يغيّر السياسات كل ساعة، ما يجعل المسؤولين الصينيين يتساءلون بجدية: هل يمكن التوصل إلى صفقة معه والوثوق بأنه سيلتزم بها؟"، وفق الكاتب الأميركي.  

وبالنسبة إليه، فإنّ الصفقة الوحيدة التي "تُعد رابحة فعلاً للطرفين هي ما سمّاه: "صُنع في أميركا، بأيدٍ عاملة أميركية، وبشراكة مع رأس المال والتكنولوجيا الصينية". 

وخلُص إلى أنّ "الاعتماد المتبادل بين الولايات المتحدة والصين، والعالم بأسره، لم يعد خياراً، بل أصبح واقعاً". فخيارنا الوحيد الآن هو: "إمّا أن نبني علاقات اعتماد متبادل صحية، وننهض معاً، أو نستمر في علاقات اعتماد متبادل مريضة، ونسقط معاً".   

هل الرسوم الجمركية تمثل نقطة انطلاق للتفاوض؟

بحسب "نيوزويك"، قد يختار ترامب استخدام الرسوم الجمركية المتبادلة التي أعلن عنها "كنقطة انطلاق للتفاوض مع شركائه التجاريين"، كما ألمح سابقاً.

في الأسابيع الأخيرة، توصل ترامب إلى اتفاقيات مع المكسيك وكندا لتأجيل بعض الرسوم الجمركية المقترحة، كما عرض إعفاءات مؤقتة للصناعات التي طلبت تأجيلاً.

وقال بعض المحللين إنّ التأثيرات الاقتصادية للرسوم الجمركية التي فرضها ترامب "يمكن أن تخفف أيضاً إذا اختارت الدول الأخرى عدم الرد بقوة".

في الاتحاد الأوروبي، هناك "تحفظ لدى عدد من الدول الأعضاء بشأن تنفيذ أي رد فعل على الإطلاق، ممّا قد يؤدي إلى انزلاقها إلى حرب تجارية متصاعدة"، وفقاً لما كتبه نيكو فيتزروي، كبير محللي الشؤون الأوروبية في شركة سيجنوم جلوبال أدفايزرز، إلى "نيوزويك"، في رسالة بريد إلكتروني.

وقد صرّح ترامب يوم الأربعاء بأنّ الولايات المتحدة "قد تُلغي تعريفاتها الجمركية على دول أخرى، إذا اتخذت خطوات مثل إنهاء تعريفاتها الجمركية، وبدأت بشراء سلع أميركية بعشرات المليارات من الدولارات".

مع ذلك، لم يُبدِ الرئيس أي إشارة إلى التراجع عن أجندته التجارية الحمائية الأوسع، على الرغم من المؤشرات التحذيرية على أنّها تُضعف شعبيته وقد تُلحق الضرر بالحزب الجمهوري في هذه العملية.

في الخلاصة، هناك حاجة البحث عن توازن بين الحماية والتعاون الدولي، فبينما يواصل ترامب تطبيق سياساته التجارية الحمائية، تتزايد الآراء التي تدعو إلى ضرورة التوازن بين حماية الصناعات المحلية والابتكار التكنولوجي والتعاون بين الدول، إذ إنّ المنافسة العالمية اليوم، لا تقتصر فقط على فرض الرسوم الجمركية، بل على تحسين سلاسل الإمداد والتقنيات المتطورة التي تساهم في رفع مستوى الإنتاج والكفاءة، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال". 

اقرأ أيضاً: بعد فرض ترامب رسوماً جمركية إضافية عليها.. عدة دول تتوعد بإجراءات مضادة

اخترنا لك