"فايننشال تايمز": كيف تقوم أميركا بتبخير قوتها الناعمة؟

10 أسابيع من إدارة ترامب هزّت العالم.. وعلى جبهات عديدة، وبسرعة متعمدة، تعمل أميركا على تبخير قوتها الناعمة.

0:00
  • مواطن أميركي يحمل علم الولايات المتحدة رأساً على عقب
    مواطن أميركي يحمل علم الولايات المتحدة مقلوباً

صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية تنشر مقال رأي يتناول التحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها الولايات المتحدة في ظل حكم الرئيس دونالد ترامب، مع التركيز على تدهور قوة أميركا الناعمة وأثر سياساته الداخلية والخارجية في مكانتها العالمية. 

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية بتصرف:

قال المؤرخ أرنولد توينبي: "الحضارات لا تُقتل، بل تموت منتحرة". ورغم أنّ النفوذ العسكري والثروة الجغرافية سيدعمان أميركا، فإنّ الأمور تتسق مع سيناريو توينبي. لا يمكن لأي تهديد خارجي أو تقييم داخلي للتكاليف والفوائد أن يدفع إنساناً من المريخ إلى الاعتقاد بأنّ أعظم قوة على وجه الأرض ستنهار بفعل يديها. سواء في الصين أو كندا، أو حتى في الولايات المتحدة، فإنّ المراقبين في حالة من النكران لحقيقة أنّ سرعة انقلاب أميركا على نفسها تاريخية.

أدّى دونالد ترامب اليمين الدستورية قبل 10 أسابيع. ورث اقتصاداً يتميز بتضخم مستقرّ وانخفاض في أسعار الفائدة، ولكن مع توقعات بأن يتجاوز النمو أي منافس كبير هذا العام. مع كل هجوم جديد من ترامب على الاقتصاد العالمي، تُخفض توقعات النمو الأميركية، ويبدو أنّ أميركا متجهة نحو الركود هذا العام. سيكون هذا ركوداً اختيارياً؛ خيار ترامب.

لكن هذا هو الجزء التافه. النمو السلبي سيكون مجرد امتداد لهجوم أكثر إثارة للقلق على التجربة الأميركية. ما يميزها عن حالات الطوارئ السابقة هو غياب المقاومة الجادة. كانت الحرب الأهلية 1861-1865 صراعاً دموياً حتى الموت، لكن قضية الاتحاد المناهض للعبودية كانت حماسية بحق. أيقظ رد فعل أميركا على بيرل هاربر عام 1941 أمة انعزالية. عوّضت الولايات المتحدة بعزمها ما أغفلته ببصيرتها.

كلُّ الاضطرابات الداخلية الأميركية منذ ذلك الحين؛ نضال الحقوق المدنية في الستينيات، والانقسامات التي سببتها حرب فيتنام، وفضيحة "ووتر غايت" في عهد ريتشارد نيكسون، وحتى ردود الفعل العنيفة على حرب العراق عام 2003، أدت إلى قراراتٍ خاضعةٍ لمعركةٍ مريرة، بعضها إيجابي.

ما يغيب الآن هو أيُّ إدراكٍ لحجم المخاطر. ومن المفارقات أنّ الأجانب يدركون تماماً؛ ففي كلِّ مرةٍ يُمنع فيها عالمٌ من الدخول أو يختفي سائحٌ في الحجز، يتصدر الأمر عناوين الصحف في وطنه. يعيش الطلاب الأجانب في خوفٍ من الترحيل التعسفي أو حتى اختطافهم من الشارع على يد عملاء ملثمين. أما الزوار المحتملون، فيضعون خططاً أخرى.

على جبهات عديدة، وبسرعة متعمدة، تُبخّر أميركا قوتها الناعمة. لا يستغرق الأمر سوى أقل من ربع ساعة لتشويه سمعة استغرق بناؤها ربع ألف عام. كم من الوقت سيستغرق إصلاحها؟ في الأسبوع الماضي، ضرب ميانمار أسوأ زلزال منذ عقود. وصلت فرق الإغاثة الصينية، وحتى الروسية، إلى الميدان في غضون أيام. ومع تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، لم تصل المساعدات الأميركية إليها بعد.

لا أحد من حشود العالم المتجمعة مرحب به في أميركا باستثناء واحد: البيض من جنوب أفريقيا. وبينما يُغلق ترامب الوكالات والقنصليات في العالم، تُنشئ إدارته مراكز استقبال للاجئين البيض من أصل أفريقي في بريتوريا، الذين يزعم أنهم ضحايا للتمييز العنصري من قِبل حكومة الأغلبية السوداء في جنوب أفريقيا. كل هذا يجري باسم الجدارة. الحرس الأميركي الجديد كله تقريباً من البيض، وجميعهم ذكور، ومعظمهم غير مؤهل لقيادة الإدارات الكبرى التي يُخرّبونها. 

إنّ العلماء الأميركيين يبحثون عن وظائف في الخارج. لقد قدّم ترامب لبقية العالم فرصةً هائلةً للصيد الجائر. إذا كان هناك أي شك في أنّ الولايات المتحدة تبنّت الوحشية، فشاهدوا إخراج الأخوين تيت، أندرو وتريستان، من رومانيا في شباط/فبراير، إذ عادا الآن بانتظار المحاكمة بتهم الإتجار بالبشر والاستغلال الجنسي.

بينما يُرهَب آخَرون ليرحلوا بأنفسهم، مُنِح الأخوان السجادة الحمراء. إنّ مثل هذه المؤشرات أخطر من أي ركود اقتصادي نتسبب به لأنفسنا.

نقلته إلى العربية: بتول دياب.