توازن الردع بين بكين وواشنطن: اختبار مفتوح في بحر الصين الجنوبي

في ظل الاستفزازت الأميركية المتواصلة والمناورات العسكرية الصينية حول تايوان.. يشكّل بحر الصين الجنوبي ساحة اختبار مفتوحة لإرادات متضادة كلٌّ منها يسعى إلى ترسيخ معادلة ردع أو توازن، ما يضع المنطقة في مفترق طرق نحو التصعيد.

  • سيبقى بحر الصين الجنوبي ساحة اختبار مفتوحة لإرادات متضادة، كلٌّ منها يسعى إلى ترسيخ معادلة ردع أو توازن
    سيبقى بحر الصين الجنوبي ساحة اختبار مفتوحة لإرادات متضادة، كلٌّ منها يسعى إلى ترسيخ معادلة ردع أو توازن

أنهت الصين واحدة من أكبر مناوراتها العسكرية حول جزيرة تايوان، مساء الأربعاء الماضي، بمشاركة وحدات متعددة من جيش التحرير الشعبي، في ما بدا استعراضاً متعدد الجبهات لقدرتها على تطويق الجزيرة وضرب بُنيتها التحتية الحيوية عند الحاجة. ورافق هذا المشهد رسائل سياسية متقاطعة تعكس تعقيدات توازن القوة في بحر الصين الجنوبي.

المناورات التي بدأت في الأول من نيسان/أبريل الجاري تحت اسم "رعد المضيق 2025 إيه"، شاركت فيها وحدات من قوّات البر والجو والبحر والصواريخ، وركّزت على سيناريوهات الحصار والضربات الدقيقة وقطع خطوط الإمداد، ما يعكس تصاعد الحزم العسكري الصيني تجاه سلطات جزيرة تايوان. وسبق هذه المناورات حملة تعبئة دبلوماسية أميركية، توّجها وزير الدفاع، بيت هيغسيث، بزيارة إلى الفلبين، أكَّد خلالها التزام واشنطن بـ "إعادة بناء الردع" في وجه ما وصفه بـ "العدوان الصيني".

وفي السياق ذاته، كثّفت الصين تحركاتها البحرية في بحر الصين الجنوبي، عبر تدريبات شملت سفن إنزال وسفن إمداد ومنصات هجوم برمائي، إلى جانب تسيير دوريات جوية وبحرية قرب سواحل الفلبين.

هذه التحركات تزامنت مع إعلان بكين صراحة أنّها تمتلك "السيادة غير القابلة للنقاش" على معظم بحر الصين الجنوبي، بما في ذلك الجزر والشعاب المتنازع عليها، متهمة الفلبين بتنفيذ "استفزازات عبثية" بدعم من قوى خارجية. وفي المقابل، تصف مانيلا السلوك الصيني بـ "العدواني" وتعتبره أكبر تهديد لأمنها القومي، متهمة بكين بفرض أمر واقع على حساب القانون الدولي، خصوصاً أن "المحكمة الدولية للتحكيم" كانت قد رفضت مطالب الصين البحرية في عام 2016. لكن بكين ترفض هذا الحكم وترى أنه غير ملزم.

ومن جهتها، واصلت واشنطن تعزيز تحالفها الأمني مع الفلبين، عبر نشر وحدات عسكرية، وتنفيذ مناورات مشتركة، وإعلان نوايا لنقل قدرات دفاعية متقدمة إلى المنطقة. وزير الدفاع الأميركي تحدث من مانيلا عن التزام بلاده بـ"ردع الصين"، ووصف التحالف مع الفلبين بأنه "صارم لا يتزعزع"، في إشارة إلى أنّ واشنطن تسعى لتعزيز "قدرات الردع المشترك" وليس الدخول في مواجهة مفتوحة.

وفي خطوة أثارت حساسية إضافية، بدأت الفلبين في تحويل جزيرتي غراندي وتشيكيتا في خليج سوبيك إلى مناطق عسكرية محصّنة، رغم أنها تقع خارج قائمة المواقع المشمولة باتفاق التعاون الدفاعي الأميركي - الفلبيني المحدّث. هذه الخطوة، ورغم أنّها تبدو رمزية في الوقت الحالي، فإنّها تعكس رغبة مانيلا في توسيع خياراتها الدفاعية بعيداً عن قيود الاتفاقيات الثنائية، وربما في سياق السعي نحو مرونة أمنية أشمل تتجاوز الثنائية التقليدية مع واشنطن.

التحول في السياسة الدفاعية الفلبينية بدا واضحاً في التصريحات الأخيرة لقادة الجيش، الذين تحدثوا عن "استعداد لكل طارئ"، بما يشمل تداعيات أزمة محتملة في مضيق تايوان. رئيس أركان القوات المسلحة قال أمام وحدات متمركزة في شمال جزيرة لوزون الفلبينية إنّ على الجيش الاستعداد لاحتمال أن "تطالهم الأزمة في حال اندلاعها"، في إشارة إلى البُعد الجغرافي والسياسي الذي يربط الفلبين بتايوان.

لم تمر مثل هذه التصريحات مرور الكرام في بكين، التي رأت فيها "لعباً بالنار"، محذّرةً من أنّ الفلبين تحاول استغلال التوتر الإقليمي لكسب نقاط سياسية وإقحام نفسها في "شؤون داخلية تخص وحدة الصين". ومع أنّ مانيلا تنفي أي نوايا تدخّل مباشر، إلا أنّ خطابها الدفاعي بات يعكس ميلاً واضحاً نحو اعتبار الصين بمثابة تهديد إقليمي متزايد، وليس فقط طرف في نزاع بحري محدود.

وباتت تايوان بدورها أكثر انكشافاً أمام الضغوط الصينية، بعد أن تحوّلت التدريبات العسكرية حولها إلى نمط شبه روتيني. وهذه المناورات الأخيرة، التي وُصفت بأنها "غير مسبوقة من حيث الشمول والاتجاهات"، تزامنت مع إغلاق فعلي لبعض الممرات البحرية ومنع ناقلات غاز من المغادرة، في مؤشر على جدية رسائل بكين. وفي الداخل التايواني، تزايد الجدل حول فعالية الاستراتيجية الدفاعية المعتمدة، في ظل ما يراه البعض "مبالغة في الاعتماد على الدعم الأميركي"، مقابل واقعية الردع الصيني المباشر. وكان الرئيس التايواني، وليام لاي، قد وصف الصين في وقت سابق بأنّها "قوة أجنبية معادية" وكشف عن استراتيجية أمن قومي جديدة، ما دفع بكين إلى الرد بسلسلة مناورات عسكرية وتعبئة إعلامية تعتبر أنّ القيادة التايوانية "انفصالية" و"خطر على الشعب". وباتت اليوم هذه اللغة التي يتحدث بها الطرفين، وإن لم تكن جديدة، تأخذ بُعداً أكثر حدّة.

في هذا المناخ، جاءت تصريحات المسؤولين الصينيين خلال "منتدى بوآو الآسيوي"، الذي عُقد في مقاطعة هاينان بين يومي 25 و28 آذار/مارس الماضي، لتؤكد أنّ بكين لن تقبل بأي "تدخل خارجي" في مسألة بحر الصين الجنوبي، وأنّها ماضية في "الدفاع عن سيادتها ومصالحها التنموية". نائب وزير الخارجية قال صراحة إنّ الاستقرار في البحر يتطلب إزالة "العوامل الخارجية"، في إشارة إلى الولايات المتحدة وأي محاولات من حلفائها لتطويق الصين عسكرياً.

وفي المقابل، دعت شخصيات من رابطة دول جنوب شرق آسيا، المعروفة بـ "آسيان"، أبرزها من إندونيسيا وماليزيا، إلى تسريع التفاوض حول "مدونة قواعد السلوك" بين الصين والدول المطلة على البحر، محذّرين من أنّ استمرار التوتر قد يدفع قوى خارجية إلى التدخل تحت مبرر حماية الأمن البحري، لكن الأطراف لم تصل حتى الآن إلى صيغة ملزمة تُنهي حالة التوتر المتصاعد الجارية.

وإلى جانب التصعيد العسكري والدبلوماسي، برز مؤخراً توتر من نوع آخر عنوانه التجسس والتجسس المضاد. الصين أعلنت أنها فككت شبكة تجسس تابعة للفلبين واعتقلت ثلاثة مشتبهين، بينما كانت مانيلا قد أعلنت عن توقيف عدد من الرعايا الصينيين بتهم تتعلق برصد تحركات عسكرية أميركية في خليج سوبيك. هذه الحوادث، وإن بدت هامشية في المشهد العام، تعكس تصاعد الشكوك المتبادلة وتفتح الباب أمام توتر غير تقليدي يُضعف فرص بناء الثقة ويؤثر على المسارات الاقتصادية بين البلدين. ومع أنّ حجم الضرر الاقتصادي لم يتضح بعد، إلا أن بيئة الأعمال أصبحت أكثر عرضة للمخاطر، وسط تحذيرات من أن يتحوّل الاقتصاد إلى ساحة توتر إضافية، بدلاً من أن يكون عامل توازن كما كان يُفترض سابقاً.

وبموازاة ذلك، تنخرط الفلبين في نهج اقتصادي نفعي يحاول جذب استثمارات صينية تحت مظلة استراتيجية "الصين +1"، وهو التوجه الذي يراهن على استفادة مانيلا من محاولات الشركات الصينية تجنّب الرسوم الأميركية عبر نقل جزء من عملياتها إلى دول "آسيان". مسؤولون في "وكالة المناطق الاقتصادية" الفلبينية قالوا إنّ البلاد أصبحت "خياراً متزايد الجاذبية لشركات التكنولوجيا والإلكترونيات الصينية"، ما يعكس دينامية مزدوجة تجمع بين التوتر الأمني والتعاون الاقتصادي. ومع ذلك، حذَّر بعض الخبراء من أن توسيع الحضور الصيني في قطاعات حساسة دون رقابة أمنية "قد يُستغل سياسياً من طرف بكين". وبينما يرى البعض في هذا المسار فرصة لتعميق الشراكة، يرى آخرون أنه مجرّد تكتيك مؤقت قد لا يصمد إذا انفجر النزاع في مناطق التوتر البحرية.

في خضم هذا المشهد المتشابك، تبقى المعادلة الكبرى قائمة على توازن هش بين الردع والاحتواء، حيث يسعى كل طرف إلى فرض إيقاعه دون تجاوز الخطوط التي قد تُشعل مواجهة مفتوحة. الصين تريد تثبيت معادلتها الجديدة: لا للتدخل الخارجي ونعم للهيمنة الإقليمية. الولايات المتحدة ترد بمعادلة مضادة: لا لتغيير الوضع القائم بالقوة ونعم لتحالفات موسّعة. وتبدو الفلبين عالقة بين هاتين القوتين وتحاول المناورة بتعدد الشركاء، في حين تبقى تايوان الحلقة الأضعف والأكثر عرضة ضمن هذه الحسابات لتقلبات المشهد، بين سندان الردع الأميركي ومطرقة الضغط الصيني المتزايد.

وإلى أن تتغيّر موازين اللحظة، سيبقى بحر الصين الجنوبي ساحة اختبار مفتوحة لإرادات متضادة، كلٌّ منها يسعى إلى ترسيخ معادلة ردع أو توازن في عالم يخلو من الضمانات الكاملة. ورغم أن المنطقة دخلت طور الضغط المستمر والمتصاعد دون أن تنزلق بعد إلى مواجهة شاملة، فإن هذا الإيقاع المتسارع – مع غياب قنوات الاتصال الفعالة بين القوى المتجاذبة – يجعل من كل خطوة خطراً محتملاً، ومن كل احتكاك عَرَضي فرصة لانفلات غير محسوب قد لا تملك الأطراف ترف التعامل معه دون تصعيد اقتصادي وعسكري أخطر.

اخترنا لك