فرنسا والجزائر: إرث تاريخي ثقيل

كل المؤشرات تدفع إلى الاعتقاد بأن العلاقات الفرنسية الجزائرية ذاهبة في اتجاه تصعيدي، علماً أنّ سياسة لَي الذراع التي تعتمدها باريس حيال الجزائر لم تؤت ثمارها.

  • فرنسا والجزائر: إرث تاريخي ثقيل
    فرنسا والجزائر: إرث تاريخي ثقيل

لم يتأخر كثيراً وزير الداخلية الفرنسي، برونو ريتيلليو في ترجمة تهديداته ضد الجزائر، بعد رفضها لقائمة من المواطنين الجزائريين الذين ترغب فرنسا في طردهم.

الإجراءات الفرنسية لم تكن مفاجئة إذ سبق للوزير الفرنسي أن لوح ببعضها في سياق حملته ضد السلطات الجزائرية على خلفية عدم تعاونها كما يقول في إستعادة مواطنيها الذين صدرت بحقهم أوامر إبعاد عن الاراضي الفرنسية، معتبراً أنّ الجزائر تتعمد إذلال باريس وفق قوله قبل نحو شهرين.

هي سلسلة إجراءات ضد السلطات الجزائرية أعلنها الوزير ريتيلليو ضمن رد متدرج قد تكون بدايته تعليق اتفاقية عام 2007 التي تعفي حاملي جوازات السفر الدبلوماسية من التأشيرات.

هكذا قرار منفرد قد يؤدي إلى تصعيد، نظراً للتشدد الجزائري حيال التهديدات الفرنسية كما عكسه موقف الخارجية الجزائرية التي أكدت رفضها القاطع للغة التهديد والوعيد والمهل ولكافة أشكال الابتزاز مبدية إعتراضها على المقاربة الانتقائية التي تنتهجها فرنسا إزاء الاتفاقيات الثنائية والدولية التي تربط البلدين، بحسب بيان السلطات الجزائرية.

وتنظر الجزائر بعين الريبة إلى وزير الداخلية الفرنسي وهي تتهمه بـتنفيذ حملة تضليل ضدها يقودها أقصى اليمين الفرنسي.

التجييش الحاصل ضد الجزائر يلقى صداه على المستويين السياسي (من قبل اليمين التقليدي وأقصى اليمين) والشعبي  
كما تبدى من تأييد 72% من الفرنسيين، قبل فترة للتشدد حيال الجزائر إلى جانب وقف العمل باتفاقيات 1968، التي تمنح الجزائريين امتيازات مرتبطة بلم الشمل وبالعمل والإقامة.

قليلة هي السنوات التي عرفت فيها العلاقات بين باريس والجزائر دفئاً حقيقياً ودائماً، ما غلب الفتور عليها لكن الوضع اتخذ منحى تصعيدياً منتصف العام الماضي، حين أعلن الرئيس ماكرون اعتراف باريس بخطة الحكم الذاتي لمنطقة الصحراء تحت السيادة المغربية.

هذا الاعتراف شكل للجزائريين صدمة، وبدا بمثابة انحياز فرنسي واضح للطرف الآخر ومعه إزدادت العلاقات تشنجا وبوصولها إلى هذا المفترق تتخذ الجزائر مواقف لا تروق للجانب الفرنسي وتدفعه إلى البحث عن خيارات فردية يرد بها على الجزائر.

من هنا يمكن ادراج ما يقوم به وزير الداخلية الفرنسي في هذا السياق لكن سياسة تصفية الحسابات التي ينتهجها قد تكون مدمرة.

لأنها تصب المزيد من الزيت على نار الخلافات المتزايدة بين البلدين، ما يثير الدهشة أن تشدد برونو ريتيلليو حيال الجزائر ليس بجديد ومنذ ما قبل تبوئه منصب وزير الداخلية.

إذ سبق لـ"ريتيلليو" قبل عامين، وكان يشغل منصب رئيس المجموعة البرلمانية لحزبه " الجمهوريون" في مجلس الشيوخ، أن سعى لإلغاء اتفاقيات 1968 مع الجزائر، ودفع مشروعاً في هذا السياق لكنه سقط في الجمعية الوطنية إذ لم يحظ سوى بدعم نسبي وتحفظ عليه رفاقه من معسكر الرئيس ماكرون، وأيضاً أقصى اليمين الذي يدعو إلى إلغائها لكنه لم يرد أن يمنح ريتيلليو هذا الانتصار أمام الناخبين.

اليوم، يعود ريتلليو إلى إثارة الموضوع والتلويح بطرحها على الطاولة وإن بحدة أقل عن الاسابيع الماضية. ذلك أن رئيس الجمهورية كان حازماً في رفضه كل الدعوات لإلغاء هذه الاتفاقيات مع إبداء تأييده لبحثها مجدداً، علماً أنّ التعديلات التي شهدتها هذه الاتفاقيات على مدى العقود الماضية افرغتها من مضمونها تقريباً.
 
تساؤلات كثيرة عن أبعاد هذه الحملة الشرسة لوزير الداخلية الفرنسي وما إذا كان هناك من هدف غير معلن من هذه الحملة.

ذلك أنّ الوزير الذي يتزايد طموحه السياسي يتنافس على رئاسة حزبه ويسعى للفوز بها وفي الوقت نفسه يحاول أن يقدم نفسه بصورة الشرطي الأول الذي لا يتهاون في الدفاع عن أمن مواطنيه ومصالح بلاده.

الحملة قد ترفعه إلى المرتبة الأولى في قائمة الوزراء الذين يتمتعون بالشعبية في حكومة فرانسوا بايرو، وهو اليوم في المرتبة الثانية بـ35%، هذا الطموح السياسي للوزير يدفعه إلى تعزيز شعبيته ومواصلة تلميع صورته وعيناه ترنوان ربما إلى الإستحقاق الرئاسي المرتقب بعد نحو سنتين من الآن.

تلويحه بالاستقالة من منصبه إذا ما أجبر على التراجع  في الملف الجزائري، كان لافتاً، وبدا وكأنّه موجه بالدرجة الأولى إلى رئيس الجمهورية غير الراغب كثيراً في تصعيد الأزمة مع الجزائر لاعتبارات كثيرة، وإن كان ماكرون لا يوفر الجزائر من انتقاداته أحياناً، هو الذي قال يوماً عن النظام في الجزائر إنّه أعاد كتابة تاريخ الاستعمار على أساس كراهية فرنسا.

وزير الداخلية الفرنسي يُواصل مراكمة نقاط القوة، ويسعى ليكون رقماً في المعادلة السياسية من بوابة الأمن والمصالح السيادية ولو بدا في الأمر مزايدة على طروحات أقصى اليمين الذي دفع الهجرة لتصبح قضية رأي عام، زادت سخونتها بفعل دخول اليمين المحافظ على مسلسل التجييش المستمر ضد المهاجرين ومحاولة تحميلهم مشاكل البلاد بطولها وعرضها واتهامهم بالسعي لتغيير هوية فرنسا الثقافية والاجتماعية.

وسط كل ذلك وتمسك البلدين بمواقف متباعدة واشتراطات تبدو تعجيزية، يُخشى من أن يحصل افتراق كبير بين الجارين الكبيرين والمتشاطئين على ضفاف المتوسط بشكل قد يحتاج وقتاً طويلاً لتجاوز مسبباته.

اخترنا لك