"تسقط إسرائيل ولا تسقط درعا".. "نوى" تكتب فصلاً جديداً من المقاومة
"هؤلاء شهداء النخوة والفزعة من أبناء حوران الأبيّة على الاحتلال، الذين ضحوا بدمائهم ليكونوا نبراساً يُضيء درب الحرية"، يثبت أبناء درعا مجدداً أن أرضهم محرّمة على المحتلّ، وأنهم لا يقبلون وجوده عليها مهما بلغت التضحيات.
-
"تسقط إسرائيل ولا تسقط درعا".. "نوى" تكتب فصلاً جديداً من المقاومة
"تسقط إسرائيل ولا تسقط درعا"، عبارة رفعها أحد المشاركين في تشييع شهداء بلدة "نوى" في محافظة درعا جنوب سوريا، والذين سقطوا أثناء تصديهم لتوغل القوات الإسرائيلية داخل بلدتهم، وذلك في إطار التصعيد الإسرائيلي المستمر في الجنوب السوري منذ أشهر، ليثبت أبناء درعا مجدداً أن أرضهم محرّمة على المحتلّ، وأنهم لا يقبلون وجوده عليها مهما بلغت التضحيات.
تشييع مهيب
بالزغاريد، والتكبيرات، والعراضة الدرعاوية، شارك عشرات الآلاف من أبناء الجنوب السوري في تشييع مهيب لشهداء العدوان الإسرائيلي على بلدة "نوى"، حيث ردد المشاركون في التشييع عبارات تندد بالإرهاب الإسرائيلي، وتطالب المجتمع الدولي بوضع حدٍ للتجاوزات الإسرائيلية اليومية التي تودي بحياة المدنيين الأبرياء، الذين يرفضون غطرسة القوات الإسرائيلية على أرضهم.
وفي يوم التشييع، أُغلقت الأسواق والمحال التجارية في "نوى" غربي درعا، حداداً على أرواح الشهداء، وخيّم الحزن على وجوه الناس، وسط حالة من الغضب والاستنكار، بعد ارتقاء 9 شهداء دفعة واحدة على يد القوات الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، قال المحامي أسامة طيّاسة من ذوي شهداء العدوان الإسرائيلي للميادين نت: "هؤلاء شهداء النخوة والفزعة من أبناء حوران الأبيّة على الاحتلال، الذين ضحوا بدمائهم ليكونوا نبراساً يُضيء درب الحرية والكرامة بوجه الظلم والهمجية الإسرائيلية، التي تريد إركاع أبناء الجنوب السوري من أجل تمرير مشاريع الحكومة العبرية التي يقودها مجرم الحرب نتنياهو".
وتابع طيّاسة: "قلوبنا يملؤها الحزن والأسى على علي وبشار طيّاسة وباقي الشهداء الأبرياء، لكننا في الوقت نفسه نشعر بالفخر والاعتزاز والكرامة بما فعله أبناء نوى بوجه الاحتلال، ونؤكد جاهزيتنا لتقديم أرواحنا ودمائنا في سبيل رحيل المحتلّ عن أرضنا، وهذا الأمر لن يتأخر كثيراً بهمة أبنائنا الذي يُسطّرون أسمى معاني التضحية والإباء والعزة".
ماذا جرى في نوى؟
-
بالزغاريد، والتكبيرات، والعراضة الدرعاوية، شارك عشرات الآلاف من أبناء الجنوب السوري في تشييع مهيب لشهداء العدوان الإسرائيلي على بلدة نوى
مساء الأربعاء في الثاني من نيسان/أبريل الحالي، توغلت قوة إسرائيلية ريف درعا الغربي بالتزامن مع تحليق مكثّف لطائرات الاستطلاع في سماء المنطقة، لكن الأهالي منعوا تقدم القوات الإسرائيلية بأسلحتهم الفردية، ودارت اشتباكات عنيفة داخل "نوى" ما أجبر القوات المتوغلة على التراجع والانسحاب إلى المواقع التي أتت منها.
وأقرّ الجيش الإسرائيلي في بيان له بأن قواته التي حاولت التوغل داخل "نوى" تعرّضت لإطلاق نار كثيف، ليرد جيش الاحتلال على مصادر النيران بضربات جوية ومدفعية مكثّفة، طالت المناطق السكنية في البلدة.
مديرية صحة درعا أكدت ارتقاء 9 شهداء وإصابة 22 آخرين في حصيلة العدوان الإسرائيلي على المحافظة، حيث تم تحويل اثنين من الجرحى إلى مشافي العاصمة دمشق، وحذّرت صحة درعا من وجود نقص في الأدوية والمستلزمات الطبية في مشافي المحافظة.
ولمواجهة العدوان الإسرائيلي على البلدة، أطلقت مساجد "نوى" دعوة عاجلة للنفير العام، ودعت عبر مكبرات الصوت كل من يملك القدرة على حمل السلاح إلى الخروج لمواجهة القوات الإسرائيلية، فهبّ الأهالي للدفاع عن أرضهم، إلا أن القوات المتوغلة سرعان ما انسحبت من المنطقة.
هجمات واسعة
القصف والاشتباكات في "نوى" غربي درعا، تزامنت مع ضربات جوية إسرائيلية واسعة النطاق استهدفت مواقع استراتيجية في العاصمة دمشق وحمص وحماة.
واستهدف الطيران الإسرائيلي محيط مبنى "البحوث العلمية" بحي مساكن برزة في دمشق، ما أدى إلى وقوع أضرار مادية كبيرة في المكان المُستهدف.
كما شن الطيران الإسرائيلي بنحو 17 غارة مطار حماة العسكري وسط البلاد، مما أدى إلى تدمير معظم أجزائه ومحتوياته، حيث تم تدمير مدارج الطائرات وبرج المراقبة ومستودعات الأسلحة وحظائر الطائرات.
وشن الطيران الإسرائيلي أيضاً غارات عنيفة طالت مطار "T4" في محافظة حمص وسط البلاد.
نوى تعانق كويا
حادثة بلدة "نوى" جاءت بعد أيام من ملحمة صمود مماثلة سطّرها أهالي بلدة "كويا" بريف درعا الغربي، بعد أن واجهوا آليات الجيش الإسرائيلي وأسلحته الثقيلة بأسلحتهم الفردية، ومنعوا تقدم القوات الإسرائيلية في بلدتهم، وأجبروها على الانسحاب.
وبعد المقاومة الكبيرة من أهالي بلدة "كويا"، عمدت المدفعية الإسرائيلية إلى قصف المنازل السكنية في البلدة بشكلٍ كثيف، مما أسفر عن ارتقاء 7 شهداء من المدنيين وإصابة آخرين، إضافة إلى وقوع أضرار كبيرة في الممتلكات.
وتسبب القصف على "كويا" بموجة نزوح كبيرة للأهالي، الذين اضطروا للهرب من وحشية القوات الإسرائيلية، التي لا تميّز بين كبير أو صغير.
وتؤكد الحادثتان أن أبناء الجنوب السوري قالوا كلمتهم برفض وجود قوات الاحتلال على أرضهم، وأن ما جرى في "نوى" و"كويا" مجرد مقدمة لما ستواجهه قوات الاحتلال الإسرائيلي في مقبل الأيام إذا ما استمرت بعمليات التوغل في القرى والبلدات المتاخمة للشريط الحدودي مع الأراضي المحتلّة.
نوى أرض النخوة والفزعة
بتعداد يصل إلى 150 ألف نسمة، تقع بلدة "نوى" شمال غرب سهل حوران الخصب في الجنوب السوري، وتبعد عن مركز مدينة درعا 40 كم، وعن الحدود السورية - الفلسطينية نحو 10 كم.
يعتمد غالبية سكان البلدة على زراعة الخضراوات بأنواعها كالبطاطا والبندورة، إضافة إلى أن البلدة تشتهر بزراعة الحبوب كالقمح والشعير والحمّص، كما يوجد في "نوى" عدد من أشجار الزيتون المثمرة وكروم العنب.
ولأنها من القرى القريبة من الشريط الحدودي الفاصل مع الأراضي المحتلّة، فإن الجيش الإسرائيلي يسعى للسيطرة على "نوى" بهدف توسيع نطاق المنطقة العازلة التي يفرضها في الجنوب السوري، وذلك ضمن السياسة الإسرائيلية الجديدة المتّبعة بعد سقوط نظام الأسد، حيث فرض جيش الاحتلال السيطرة على المنطقة العازلة منزوعة السلاح بين القنيطرة والجولان المحتلّ، ثم توغل في عمق محافظة القنيطرة، ولاحقاً بدأ بالتمدد نحو ريف درعا الغربي القريب من الأراضي المحتلّة.
وطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في شباط/فبراير الماضي بجعل جنوب سوريا منطقة منزوعة السلاح بالكامل، وحذّر من نشر الإدارة السورية الجديدة قواتها في الجنوب، لأنها ستكون عرضة للاستهداف الإسرائيلي.
ولم يتوقع نتنياهو أن يواجه مقاومة شعبية في تنفيذ مخططاته ضمن الجنوب السوري، خصوصاً بعد أن شن الجيش الإسرائيلي خلال الأشهر الماضية مئات الغارات على المواقع العسكرية ومخازن الأسلحة والبُنى التحتية العسكرية في مختلف المحافظات السورية، مدمّراً أكثر من 90% من قدرات الجيش السوري، إلا أن ما حصل في "نوى" و"كويا" يُثبت أن أبناء حوران سيقفون بوجه المشروع الإسرائيلي بما يملكون من إمكانيات.
وبهذا الاتجاه، أكد فايز الرفاعي، أستاذ لغة عربية من مدينة درعا، للميادين نت أن أبناء حوران لن يسمحوا ببقاء القوات الإسرائيلية على أرضهم مهما بلغت التضحيات، وأن الدماء التي سقطت في "نوى" و"كويا" هي رسالة واضحة لنتنياهو وجيشه بأن أيّ تهور جديد سيواجه بمقاومة شعبية مفتوحة لن تتوقف إلا بطرد المحتلّ من كامل الجنوب السوري.
ودعا الرفاعي الحكومة السورية الجديدة والسوريين بكافة فئاتهم إلى الانتفاضة بوجه الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على الجنوب السوري، مؤكداً أن وحدة الصف هي حجر الأساس لتحطيم مخططات نتنياهو وجيشه، في ظل العجز الدولي عن كبح إرهاب الاحتلال في غزة ولبنان وسوريا.
لقد كشف نتنياهو وجيشه مجدداً عن وجههم الدموي في الجنوب السوري، بعدما أكدوا على دمويتهم في لبنان واليمن وغزة والضفة الغربية، إلا أنهم يواجهون اليوم فصلاً جديداً من المقاومة الشعبية التي يسطّرها أبناء حوران في الجنوب السوري، والذين كتبوا بدماء أبنائهم ملحمة بطولة بوجه الغطرسة الإسرائيلية عنوانها: "لا مكان المحتلّ على أرضنا".