هل تصمد فكرة الوحدة الأفريقية أمام أزمات الهجرة والاقتصاد؟
الوحدة الأفريقية ما زالت شعاراً مثالياً، لكنها تواجه تحديات واقعية، أبرزها أزمات الهجرة والاقتصاد وضعف المؤسسات. ولا يمكن أن تصبح مشروعاً عملياً إلا عبر قوانينٍ مشتركةٍ وسياساتٍ متوازنةٍ تحمي المواطن والمهاجر معاً.
-
هل تصمد فكرة الوحدة الأفريقية أمام أزمات الهجرة والاقتصاد؟
ظلّ خطاب الوحدة الأفريقية يتردّد كصدى لحلم قديم راود نخبة القادة والمفكرين في القارة. ذلك الحلم الذي استند إلى قناعة راسخة بأن تشتّت القارة إلى كيانات سياسية متناحرة، وارتهانها للحدود الاستعمارية، يشكّلان عائقاً بنيوياً أمام نهضتها.
غير أنّ هذا الخطاب، الذي اكتسب طابعاً شبه ميتافيزيقي في المخيال السياسي الأفريقي، يواجه اليوم امتحاناً قاسياً، يتلخص في السؤال حول كيفية تجسيده في واقعٍ مأزوم، حيث تضغط أزمات الاقتصاد، وتتفاقم الهشاشة الاجتماعية، وتتفجّر توترات الهجرة غير المنضبطة، والتي تفيض من أفريقيا إلى قاراتٍ أخرى، وتمثل ضغطاً سياسياً واقتصادياً معاكساً لدولها.
إنّ الجدل الراهن حول الهجرة والوجود الأجنبي داخل دول مثل جنوب أفريقيا يكشف عن التناقض الكامن بين المثاليات الوحدوية وبين مقتضيات السيادة القانونية، ويطرح سؤالاً جوهرياً حول إمكانية تحول الخطاب الأفريقي إلى أداة لتجاوز القانون الوطني، أو ما إذا كان القانون سيظل الحاجز الأخير أمام الفوضى المقنّعة بشعار التضامن.
الهجرة كمرآة لانكسارات الداخل
في الحقيقة، تتجاوز الهجرة الأفريقية حركة السكان، لتعكس التفاوت البنيوي بين دول القارة. فالمجتمعات التي تعاني من ضعف مؤسساتها ومن تآكل شبكات الأمان الاجتماعي تجد نفسها عاجزة عن استيعاب موجات الوافدين، بينما تتحوّل الجماعات المهاجرة إلى عامل توتير إضافي، يفاقم هشاشة الأوضاع في كل ناحيةٍ من نواحيها الشاسعة.
في جنوب أفريقيا مثلاً، تلتقي المعضلة الاقتصادية (بطالة مرتفعة، خدمات عامة متآكلة) مع موجات الهجرة من دول الجوار، فتخلق إحساساً بالتهديد لدى الفئات الشعبية. وهنا تنشأ وتنطلق شعبوية متمثلة في حركات مثل أوبريشن دودولا، التي لا تكتفي بالمطالبة بتشديد الرقابة على الحدود، بل تُشيطن الأجانب بوصفهم أصل الأزمات.
إنّ هذا المنطق، وإن بدا رد فعل غريزياً على ضغوط الواقع، يشي في العمق بعجز الدولة عن صوغ سياسة هجرة متوازنة، وبعجز النخب السياسية عن إنتاج خطاب جامع لا يختزل المشكلة في الآخر الوافد.
السيادة القانونية كخط دفاع
وفي سردياتها المثالية، تفترض الوحدة الأفريقية حرية التنقل والانفتاح على الآخر. لكن هذه الحرية، حين تُطرح في فضاء مؤسساتي هش، قد تتحوّل إلى فوضى. لذلك يُصرّ قادة المجتمع المدني على أنّ الشرعية القانونية لا يمكن تعليقها باسم المثاليات الوحدوية.
وهكذا يتحول القانون إلى أكثر من مجرد نص تنظيمي، ليصبح الحدّ الفاصل بين المجتمع ككيان منظم وبين الانزلاق إلى حالة "اللا-قانون". إنّ التضامن، كي يكون قابلاً للحياة، لا بد أن يتجذّر في احترام سيادة القانون، لا في تعليقه. فالدولة التي تتنازل عن قوانينها باسم وحدة عاطفية عابرة، إنما تُغامر بفقدان شرعيتها في عيون مواطنيها. أو على الأقل، هكذا ينظر مناهضو الهجرة إلى المسألة.
لكن ثمة مفارقة عميقة: فبينما يطالب المواطنون بالصرامة في تطبيق القانون، تتفجّر في الوقت ذاته موجات من العنف ضد الأجانب، فتُحرق محلاتهم وتُنهب ممتلكاتهم، وقد شهدت أكثر من دولةٍ أفريقية هذا النسق المتكرر والذي يتحول مع الوقت إلى نمط معروف ومتوقع عند الأجانب، ومنهم من يشكلون جزءاً من القوة الاقتصادية في تلك البلدان. هذا الانفصام بين المطالبة بالقانون وممارسات خارج القانون يكشف أن الأزمة ليست قانونية فقط، بل هي أزمة شرعية اجتماعية.
الأجنبي في هذا السياق يصبح "الآخر الداخلي"، غريباً وموجوداً في آن معاً، مساهماً في الاقتصاد لكنه في موقع الهشاشة القانونية والاجتماعية. وهنا، يُعاد إنتاج منطق "كبش الفداء"، حيث يُحمَّل الغريب وزر كل إخفاقات الداخل، من عجز الدولة عن توفير الوظائف إلى قصور السياسات التنموية، وتتوسع غربته في مجتمعات قد يكون ولد فيها، كجيلٍ ثانٍ أو ثالثٍ لأسلافٍ من المهاجرين.
الاستثمار في الخوف
ولا يمكن بطبيعة الحال قراءة هذه الظاهرة بمعزلٍ عن صعود النزعات الشعبوية التي تستثمر في الخوف من الآخر. وهكذا هو الحال أيضاً في أوروبا وأميركا، على اختلاف التجربة، إذ تُحوَّل الهجرة إلى أداة سياسية، ووسيلة سهلة لحشد الغضب الشعبي وصرفه عن قضايا البنية العميقة: الفساد، غياب العدالة الاجتماعية، واستمرار التبعية الاقتصادية.
إنّ المفارقة هنا أنّ الخطاب الوحدوي يظل حبيس القمم الأفريقية والمؤتمرات الأكاديمية، بينما على الأرض تُدار اللعبة بخطاب مضاد، يقوم على تأجيج العداء للأجانب وتحويل التضامن الأفريقي إلى مجرد وهم بلاغي.
وحدة معلّقة بين الرغبة والقدرة
من منظور استراتيجي، تظل الوحدة الأفريقية ضرورة وجودية، إذ لا يمكن لقارة تضم أكثر من مليار إنسان أن تواجه تحديات الأمن الغذائي والتغير المناخي والنظام الدولي المتحوّل وهي مجزأة إلى دويلات ضعيفة. غير أنّ الطريق إلى هذه الوحدة لا يمر عبر شعارات مفتوحة على المجهول، بل عبر بناء مؤسسات راسخة قادرة على إدارة التعقيدات.
الهجرة هنا تصبح اختباراً لمقدرة الدول الأفريقية على تحقيق تكامل واقعي، يقوم على تنسيق السياسات الحدودية، تبادل عادل للعمالة، وبرامج تنمية مشتركة تقلّص دوافع النزوح. أما استسهال فتح الحدود من دون رؤية، فهو وصفة لانفجار اجتماعي يقوّض فكرة الوحدة بدل أن يعززها.
إنّ الخطورة في الخطاب الذي يضع الوحدة فوق القانون تكمن في كونه يشرعن "الاستثناء الدائم". فإذا جاز تعليق القانون في ملف الهجرة بدعوى التضامن، فما الذي يمنع من تعليقه في ملفات أخرى أكثر خطورة؟ هنا تتآكل السيادة تدريجياً، ويغدو المشروع الوحدوي ذاته فاقداً لمصداقيته.
من هنا، يمكن القول إن الوحدة الحقيقية ليست في تجاوز القانون، بل في توحيد القوانين نفسها عبر آليات تكاملية، بحيث يُبنى نظام إقليمي للهجرة يستند إلى قواعد مشتركة ومعايير عادلة، ويوازن بين حقوق المهاجرين ومصالح المجتمعات المضيفة.
الوحدة الأفريقية، إذاً، لا ينبغي أن تُختزل في خطاب عاطفي أو في بلاغة المؤتمرات. إنها مشروع يحتاج إلى واقعية مؤسساتية تُدرك أن التضامن لا يقوم على إلغاء السيادة، بل على صوغ سيادة مشتركة تحمي المواطن والمهاجر على السواء.
إنّ تجاوز القانون بدعوى الوحدة ليس إلا وصفة لإعادة إنتاج العجز. أما الوحدة الناضجة، فهي تلك التي تُبنى على قاعدة القانون، وتستثمر في الإنسان، لا باعتباره مواطناً أو أجنبياً، بل باعتباره عنصراً فاعلاً في مشروع قاري أكبر.
كما أنّ التحدي المطروح أمام القارة اليوم يتمحور حول كيفية تحويل شعار "أفريقيا الموحدة" إلى بنية عملية، تنطلق من احترام القانون وتوازن بين المثاليات الوحدوية ومقتضيات السيادة الوطنية. وحدها هذه الصيغة الواقعية قادرة على أن تجعل من الوحدة الأفريقية مشروعاً قابلاً للحياة، ـبعد من الاستعارات الرومانسية التي تذوب عند أول تماس مع صلابة الواقع.