"إسرائيل" تنفّذ معركة استباقية ضد تركيا في سوريا.. ما مخاوف الكيان؟
ترى "إسرائيل" أن وجوداً عسكرياً تركياً في سوريا، وفي قواعد جوية أساسية، سيخلق لأنقرة نفوذاً غير عادي، وسيكون للأخيرة حتماً - ودائماً في نظر "إسرائيل" - هامش تأثير واسعاً، في سياسة السلطة السورية.
-
هل واشنطن بعيدة عن المناورة الإسرائيلية في تكسير جوانح تركيا في سوريا؟
تخوض "إسرائيل" حرباً عدوانية تدميرية غير مسبوقة ضد قواعد عسكرية للجيش السوري، جوية وبحرية وقواعد دفاع جوي، وأغلبها في الداخل وفي الشمال السوري، في مناطق جغرافية بعيدة عن المناطق الحدودية المحتلة في الجنوب السوري، وخصوصاً في الجولان.
عملياً، لو كان هدف "إسرائيل" من هذه الاعتداءات الواسعة ضد مراكز وقواعد الجيش السوري منعه من الاحتفاظ بقدرات عسكرية معينة، قد تستعمل، من قبله أو من قبل أي مجموعة أخرى، حاضراً أو مستقبلاً ضد وحدات الكيان التي تتوسع حالياً، وسوف تتوسع مستقبلاً، في أغلب مناطق الجنوب السوري، وفي المناطق المحتلة في سوريا، أو ضد هذه الوحدات في فلسطين أو حتى في أي أراضٍ عربية أخرى محتلة، لكانت قد أكملت مناورتها التدميرية - التي أطلقتها بعد التغيير الدراماتيكي الذي أصاب السلطة في سوريا - ضد أي بنية عسكرية للجيش السوري على كامل الأراضي السورية بشكل متواصل ودون توقف، ومنها طبعاً ما نفذته مؤخراً في مطارات حماة وتدمر والضمير وحمص وغيرها، ولم تكن لتترك هذه المواقع المذكورة حتى اليوم دون استهداف ودون تدمير.
طبعاً، يمكن أن تكون هناك أسباب تقنية ولوجستية وراء هذا التأخير في تدمير هذه القواعد والمنشآت العسكرية السورية، ويمكن أن تعود إلى الحاجة لتنظيم وتوزيع هذا العدد الضخم من الغارات الجوية التي نفذتها وحدات "جيش" العدو، وعلى مروحة واسعة من مئات الأهداف الواسعة، ولكن هناك سبب رئيسي وأساسي له بعد استراتيجي أكثر من كونه عسكرياً وراء هذا التأخير، ويمكن الإضاءة عليه كالتالي:
كان واضحاً حتى قبل التصريحات الأخيرة لمسؤولي الكيان والاعتراف بذلك أن منع تركيا من الوجود في هذه القواعد العسكرية السورية -الجوية تحديداً - هو الهدف الأساسي من هذه الاعتداءات، وخصوصاً أن مستوى التدمير لهذه القواعد مرتفع إلى درجة كبيرة، ويتجاوز استهداف المخازن والمنشآت وتعطيل المدارج في الوقت المنظور، ليصل إلى تدمير نهائي وحاسم يمنع أي إمكانية لإصلاح الأضرار ولو بعد سنوات.
من جهة أخرى، صحيح أن تركيا عملياً غير بعيدة في التوجهات الاستراتيجية عن التوجهات الاستراتيجية الإسرائيلية، والتي تدور بشكل كبير في الفلك الغربي الأطلسي، والأميركي تحديداً، وهذا الأمر كان يمكن أن يزيل أو يخفف بنسبة كبيرة الخوف الإسرائيلي من الوجود العسكري التركي في سوريا، والذي سيكون حتماً مشرّعاً من الشرع، بحكم العلاقة البنيوية بين الأتراك وبين جبهة تحرير الشام، لكنْ للكيان في ذلك رأي آخر:
أن تكون الوحدات العسكرية لتركيا - العضو الأساسي في الناتو - متمركزة في قواعد جوية في وسط وشمال سوريا، فهذا تراه "إسرائيل" مشكلة، إذ ستكون مقيدة في التدخل الجوي داخل سوريا، وعلى الأقل في مناطق قريبة أو محيطة من القواعد الجوية التي استهدفتها "إسرائيل" مؤخراً، على العكس من مناورتها الجوية سابقاً ضد الوحدات الإيرانية ووحدات محور المقاومة.
من جهة أخرى، ترى "إسرائيل" أن وجوداً عسكرياً تركياً في سوريا، وفي قواعد جوية أساسية، سيخلق لأنقرة نفوذاً غير عادي، وسيكون للأخيرة حتماً - ودائماً في نظر "إسرائيل" - هامش تأثير واسعاً، في سياسة السلطة السورية، يضاف إلى هامش النفوذ الموجود أصلاً، والمرتبط بدور تركيا في مسار تكوين هذه السلطة السورية الجديدة، منذ بداية الحرب على نظام الرئيس السابق بشار الأسد وحتى نجاح الجولاني في السيطرة على الحكم، وليكون هذا التراكم في النفوذ التركي داخل السلطة السورية وعلى قراراتها في غير مصلحة الاستراتيجية الإسرائيلية المنتظرة، والتي روج لها نتنياهو تحت عنوان تغيير جوهري في البنية السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط.
انطلاقاً من هذه الأسباب والمعطيات، يمكن فهم الأسباب الحقيقية وراء هذه الهجمة التدميرية الأخيرة لنتنياهو على القواعد الجوية في وسط وشمال سوريا، لتبقى العين على الموقف الأميركي من كل هذا الحراك أو الصراع الخفي بين أنقرة و"تل أبيب"، وليبقى التساؤل الأساسي: هل واشنطن بعيدة عن هذه المناورة الإسرائيلية في تكسير جوانح تركيا في سوريا؟ وهل أرادت واشنطن من أنقرة فقط المساعدة في إزاحة نظام الرئيس السابق بشار الأسد، خدمةً لإسرائيل، وليس لأي طرف إقليمي آخر؟