"يوم التحرير" الأميركي: هل يقود إلى أفول الهيمنة الأميركية؟

يصوّر ترامب تعريفاته الجمركية على أنها تصحيح لعقود من الممارسات التجارية غير العادلة، زاعماً أن العولمة أضعفت القوة الصناعية الأميركية، وأن هذه التعريفات ستجبر الشركات على إعادة الوظائف إلى الولايات المتحدة.

0:00
  • كيف تؤثر إجراءات ترامب في هيمنة أميركا على العالم؟
    كيف تؤثر إجراءات ترامب في هيمنة أميركا على العالم؟

منذ عودته إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2025، وسّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتماده على التعريفات الجمركية كوسيلة في سياسته الخارجية، مستهدفاً المنافسين الاقتصاديين، مثل الصين، وأيضاً حلفاء رئيسيين، مثل كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي واليابان. 

وفي ما سمّاه "يوم التحرير"، فرض ترامب تعريفات جمركية جديدة وواسعة النطاق، وشملت الإجراءات فرض ضريبة بنسبة 25% على السيارات المستوردة، و20% على جميع الواردات الأخرى، مع نسب أعلى استهدفت شركاء تجاريين محددين: %34 على الواردات الصينية، و%24 على الواردات اليابانية، و%20 على واردات الاتحاد الأوروبي.

يصوّر ترامب تعريفاته الجمركية على أنها تصحيح لعقود من الممارسات التجارية غير العادلة، زاعماً أن العولمة أضعفت القوة الصناعية الأميركية، وأن هذه التعريفات ستجبر الشركات على إعادة الوظائف إلى الولايات المتحدة من خلال جعل الواردات باهظة الثمن، وأن هذه الإجراءات ستعيد إحياء قطاعات عدّة داخل الولايات المتحدة ما يقلل الاعتماد على سلاسل التوريد الأجنبية.

والسؤال المحوري يبقى: كيف تؤثر هذه الإجراءات في هيمنة أميركا على العالم؟

في كتابه "العالم في حالة كساد: 1929-1939"، الصادر عام 1973، كان تشارلز كيندلبيرغر أول من تحدث عن نظرية "الاستقرار عبر الهيمنة"، واعتبر أن "الفوضى الاقتصادية والكساد الكبير بين الحربين العالميتين يعودان جزئياً إلى غياب قائد عالمي ذي اقتصاد مهيمن". 

ووفقاً لتلك النظرية التي طوّرها روبرت جلبين في ما بعد، يعتمد الاستقرار الدولي على وجود قوة عظمى مهيمنة تقود النظام العالمي من خلال توفير السلع العامة (مثل الأمن، والاستقرار المالي، وقواعد التجارة الحرة). وتستفيد القوة المهيمنة من هيمنتها تلك، حتى لو تحملت تكلفة غير متناسبة لتوفير الأمن والسلع العامة. وهكذا، فإن التكامل بين الحماية والإنتاج يعني أن الحفاظ على النظام المهيمن يبقى مفيداً للقوة المهيمنة. 

 ووفقاً لنظرية تراجع الهيمنة، فإن الهيمنة مؤقتة، ومحدودة بذاتها، وذاتية الهزيمة. تنمو الدول "المستفيدة مجاناً"، وتضع المزيد من الضغط على القوة المهيمنة، في حين تُدير الدولة القوية النظام الدولي وتوفر السلع العامة كعبء من أعباء وتكلفة الهيمنة. 

ويقول جيلبين إن جميع القوى العالمية المهيمنة ستسقط حتماً في النهاية، لأن "التوسع" سيتجاوز "الفوائد" في مرحلة معينة، واعتماد الحمائية قد يقوّض المكاسب النسبية للمهيمن. ولهذا، فإن القوة المهيمنة المفرطة في الالتزام "ستكون أكثر ميلاً إلى التنازل عن سيطرتها على المناطق المتنازع عليها والتركيز على إدارة انحدارها السياسي والاقتصادي من خلال خفض الإنفاق الدفاعي والسعي إلى اتباع سياسات مالية ونقدية راديكالية". وبالتالي، سيحصل تغيّر في توزيع القوة في النظام، فتصعد دول أخرى وتتحدى القوة المهيمنة.

يحدد جيلبين 3 أسباب لتراجع الهيمنة:  

1. التكاليف الداخلية: العجز المالي والنفقات العسكرية المفرطة (حرب أوكرانيا، وحروب إسرائيل في الشرق الأوسط).  

2. صعود منافسين في الساحة الدولية: الصين على سبيل المثال.  

3.عدم الرضا عن النظام الدولي، وهو ما شهدناه في يقظة الجنوب العالمي التي حصلت بعد حروب الغرب الجماعي، سواء في أوكرانيا أو في الشرق الأوسط (2022- 2025).

وكما يبدو، تحاول الإدارة الأميركية الحالية أن تقوم برد فعل دفاعي ضد هذه التحديات، لكن هذه الإجراءات قد تسرّع من تقويض الهيمنة بدلاً من تعزيزها، إذ إن الحفاظ على الهيمنة وتعزيزها يتطلب التمسك بالقيادة متعددة الأطراف وتوفير المنافع العامة للدول (مثل استقرار النظام الاقتصادي والأمن وغيرهما) والحفاظ على تحالفات قوية عبر التمسك بحلف الناتو والتحالف عبر الأطلسي.

وهكذا، يصبح أمام الولايات المتحدة، وللتعامل مع تكاليف الهيمنة الباهظة، ولئلا تخسر هيمنتها على العالم، السير في خيارات ثلاثة هي:

1. تجديد هيمنتها عبر الابتكار، كما فعل رونالد ريغان في الثمانينيات. يمكن للولايات المتحدة أن تجدد هيمنتها من خلال الابتكار التكنولوجي والاقتصادي، بدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية أو الاقتصاد التقليدي فحسب، ما يعزز الميزة النسبية للدولة، ويسمح لها بالسيطرة على الصناعات الحيوية وتشكيل المعايير العالمية.

2. الانكفاء الحمائي الذي يقوده ترامب، وفيه مخاطرة بفقدان النفوذ العالمي رويداً رويداً عبر فقدان الثقة بالنظام الذي أرسته الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية وعزّزته بعد تفكك الاتحاد السوفياتي.  

3- التكيف مع تعددية الأقطاب، ولكن من الصعب على الأميركيين القبول به في الوقت الحاضر، حتى لو كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد قال أواخر شهر كانون الثاني/يناير الماضي إن العودة إلى عالم متعدد الأقطاب لا بدّ منه، وإن وجود قوة أحادية في العالم ليس بالأمر الطبيعي، وهو كان نتيجة لنهاية الحرب الباردة.

وبناء عليه، تشير سياسات ترامب الجمركية إلى تحول الولايات المتحدة من الهيمنة الليبرالية التي تنتفع وتقدم منافع للنظام إلى محاولة الهيمنة القسرية على العالم، أي من القيادة إلى الإكراه، إذ تتم الهيمنة عبر التهديد باستخدام القوة وبالحروب التجارية والعودة إلى الحمائية. هذه السياسات قد تقدم مكاسب قصيرة الأجل، لكنها تعرّض الهيمنة الأميركية للخطر على المدى الطويل، وقد تدفع إلى نظام عالمي أكثر فوضوية على المدى المتوسط.