هل تجد "إسرائيل" دولة أفريقية تقبل بمُخطّط التهجير؟

هل تجد "إسرائيل" دولة أفريقية تقبل بمُخطّط التهجير؟ هل تعي "إسرائيل" ما تبحث عنه وتنوي القيام به؟، هل استحضرت في مخطّطاتها طبيعة فلسطين وقضيتها وموقعها في العقل الأفريقي؟

0:00
  • هل تجد
    هل تجد "إسرائيل" دولة أفريقية تقبل أن تكون جزءاً من مخطّط تهجير سكان قطاع غزة؟

أفلست "إسرائيل" هذه حقيقة لها مؤشرات ووقائع وليست رأياً أو انطباعاً، أفلست سياسياً وأخلاقياً وعسكرياً وحتى استراتيجياً؛ ومن علامات الإفلاس ومؤشراته والجهل ودلالاته وسوء التقدير ومحدّداته؛ البحث عن دولة أفريقية تقبل أن تكون جزءاً من مُخطّط تهجير سكان قطاع غزة.

 والسؤال: هل تجد "إسرائيل" دولة أفريقية تقبل بمُخطّط التهجير؟؛ أو تكون جزءاً منه؟، هل تعي "إسرائيل" ما تبحث عنه وتنوي القيام به؟، هل استحضرت في مخطّطاتها طبيعة فلسطين وقضيتها وموقعها في العقل الأفريقي؟

ملامح الإفلاس الإسرائيلي لا تقتصر على الفشل في تهجير سكان قطاع غزة، واستعادة الأسرى وتحقيق النصر المطلق، وهزيمة المقاومة، بل في الفهم الحقيقي والموضوع لمكوّنات النظام الدولي عموماً والعقل الأفريقي على وجه الخصوص.

"إسرائيل" ما زالت تنظر إلى دول القارة الأفريقية نظرة متعالية، نظرة مفادها أنّ هذه الدول قد تقبل بأن تكون جزءاً من المحرقة والإبادة والتغيير الديموغرافي لسكان قطاع غزة، مقابل بعض الامتيازات والدعم؛ بل ربما حتى أدنى من ذلك مقابل العلاقات والرضا الصهيوأميركي عن دول القارة الأفريقية.

هذا فهم إسرائيلي منقوص عن القارة الأفريقية والتحوّلات الفكرية التي شهدتها القارة ونخبها مؤخّراً، إذ إنّ تقديرات "إسرائيل" وظنّها أنها ستجد في أفريقيا من يقبل بتهجير أهالي قطاع غزة، كما وجدت من قبل من يُساعدها في تهجير يهود الفلاشا إليها، لكن أفريقيا لم تعد كما كانت أو كما تظنّ "إسرائيل".

تفتّق العقل الصهيوني مُؤخّراً إلى فكرة ومخطّط أنه يمكن طرد سكان قطاع غزة إلى إحدى الدول الأفريقية؛ وفي الحيثيات كشفت بعض وكالات الأنباء الدولية في الـ 14 من آذار/مارس 2025؛ أنّ الولايات المتحدة و"إسرائيل" عرضتا على مسؤولين في 3 دول شرق أفريقية توطين فلسطينيين من قطاع غزة على أراضيها. والدول الثلاث هي السودان والصومال وأرض الصومال الانفصالية. 

والملاحظ أنّ الدول الثلاث تعاني من صراعات داخلية ومشكلات اقتصادية الأمر الذي يُدلّل ويُوضح سبب التوجّه الإسرائيلي الأميركي الاستغلالي الابتزازي لهذه الدول، أي استغلال أزماتها من أجل تمرير مُخطّط التوطين.

 المفارقة أنّ الأزمات والتحدّيات التي تعاني منها تلك الدول الأفريقية لم تدفعها للقبول بأن تكون جزءاً من المخطّط الإسرائيلي، إذ بمجرّد تداوله إعلامياً سارع السودان إلى إعلان رفضه لمجرّد مناقشة المقترح، والحقيقة أنّ إدارة ترامب اتصلت بالحكومة السودانية بشأن قبول توطين فلسطينيي غزة، ولكنها رفضت المقترح على الفور، يُذكر أنّ الاتصالات بدأت حتى قبل تنصيب ترامب بعروض المساعدة العسكرية ضدّ قوات الدعم السريع والمساعدة في إعادة الإعمار بعد الحرب وغيرها من الحوافز التي لا تخلو من الابتزاز.

بينما قال مسؤولون من الصومال وأرض الصومال إنهم ليسوا على علم بأيّ اتصالات في هذا الصدد. وقال وزير الخارجية الصومالي أحمد معلم فقي، إنّ بلاده ترفض رفضاً قاطعاً "أيّ مقترح أو مبادرة من أيّ طرف من شأنها أن تقوّض حقّ الشعب الفلسطيني في العيش بسلام على أرض أسلافه". وصرّح بأنّ الحكومة الصومالية لم تتلقَ أيّ مقترح من هذا القبيل، مضيفاً أنّ مقديشو تعارض أيّ خطة تتضمّن استخدام الأراضي الصومالية لإعادة توطين سكان آخرين. 

ولم تتأخّر أرض الصومال في الردّ؛ إذ نفى وزير خارجية أرض الصومال عبد الرحمن طاهر آدم؛ وجود أيّ مناقشات مع الولايات المتحدة بشأن توطين الفلسطينيين في الإقليم. ويبدو أنّ التسريب كان بالون اختبار لكنّ الردود الأفريقية قطعت الطريق على المخطّط الإسرائيلي المرفوض والمُدان دولياً وأممياً.

ولأنّ مخطّط التهجير أحد أركان وأحلام حكومة اليمين الصهيوني المتطرّف، لم تتوقّف "إسرائيل" عن المحاولة مرة أخرى مع الدول الأفريقية ولكن هذه المرة أوكلت المهمة لجهاز "الموساد"، ليتحوّل التنفيذ من مخطّط سياسي معلن إلى عملية أمنية سرية.

في 28 آذار/مارس 2025، ذكر موقع "أكسيوس" الأميركي، نقلاً عن مسؤولَين إسرائيليَّين، أنّ رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو كلّف رئيس جهاز الاستخبارات "الموساد" ديفيد برنيع بالبحث عن دول توافق على استقبال أعداد كبيرة من الفلسطينيين من قطاع غزة، في ظلّ استمرار محاولات الاحتلال، بدعم أميركي، لفرض التهجير على الشعب الفلسطيني في غزة.

وقد انضمّ لهذه المهمة التي يقودها "الموساد" مسؤول أميركي سابق، وجرت اتصالات مع الصومال وجنوب السودان، ظناً منهم أنّ هذه الدول يمكن أن توافق على أن تكون جزءاً من تنفيذ مخطّط التهجير.

إن "إسرائيل" لن تجد دولة أفريقية واحدة يُمكن أن تقبل أن تكون جزءاً من تنفيذ مخطّط تهجير سكان قطاع غزة، وذلك لعدة اعتبارات في مقدّمتها موقع القضية الفلسطينية في العقل والوعي الأفريقي ولا سيما عقب حرب الطوفان.

وإنّ إيعاز حكومة نتنياهو "للموساد" لتنفيذ المخطّط فيه استسهال للأمر، وكأنّ المُخطّط عبارة عن عملية اغتيال، وهذا مؤشّر آخر على الجهل الإسرائيلي بفهم العقل الأفريقي والمتغيّرات التي مرّت بها أفريقيا ونخبها مؤخّراً.

 في مشهدية القضية الفلسطينية في العقل الأفريقي نجد تنامي الحضور الفلسطيني في الوعي الأفريقي مقابل تأكّل الحضور الإسرائيلي، ومن مؤشّرات ذلك ودلالاته أنه بمجرّد إعلان النيّة الإسرائيلية عن تهجير سكان غزة؛ وقبل حتى تبنّي خيار الدول الأفريقية، سارعت الدول الأفريقية إلى رفض التهجير وإدانته وفضحه؛ بل بدت الدول الأفريقية متقدّمة على الدول العربية والإسلامية في مسارين.

 المسار الأول: أنّ الدول الأفريقية بدت أكثر فهماً ووعياً بمخطّطات "إسرائيل" وتداعيات هذه المخطّطات ورفضتها مبكراً، والمسار الثاني: أنّ مواقف الدول الأفريقية من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة كانت أكثر حزماً وتقدّماً وتأثيراً وأثراً؛ فدولة جنوب أفريقيا هي أول من قادت المعركة القانونية في محكمة العدل الدولية ضدّ مجرمي الحرب الإسرائيليين.

 وبمجرّد أن أعلنت "إسرائيل" عن نيّتها بمخطط التهجير؛ كانت جنوب أفريقيا من أول الدول التي تقدّمت وقدّمت موقفها المعلن؛ وفي 15 شباط/فبراير 2025، قال وزير خارجية جنوب أفريقيا رونالد لامولا إنّ دول القارة لها موقف موحّد بشأن ضرورة حلّ الأزمة في قطاع غزة ضمن حلّ الدولتين، مؤكّداً أنّ بريتوريا لن تتراجع عن موقفها أمام محكمة العدل الدولية. وأضاف أنّ موقف بلاده وموقف الاتحاد الأفريقي اليوم واضح في رفض الحديث عن تهجير الفلسطينيين من القطاع.

إن كان ما سلف يعبّر عن مواقف أفريقية منفردة، فإنّ قمة الاتحاد الأفريقي الـ 38 في شباط/فبراير 2025 عبّرت عن الموقف الأفريقي الجمعي من القضية الفلسطينية ومن مخططات التهجير الإسرائيلية، وقد جاء في البيان الختامي للقمّة الأفريقية أنّ "تهجير الفلسطينيين من أرضهم مخالف للقانون الدولي"، وأنّ "إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في حقّ الفلسطينيين ويجب محاكمتها دولياً". كما دعا القادة الأفارقة في القمة إلى "وقف أيّ شكل من أشكال التعاون أو التطبيع مع إسرائيل حتى تنهي احتلالها وعدوانها على فلسطين".

المواقف الأفريقية الرافضة لمخططات التهجير لا تعكس صحوة وعي أفريقي تجاه فلسطين فقط، لكنها تُعبّر عن خسران "إسرائيل" وتراجعها أفريقياً، وأنّ حرب الطوفان أفضت إلى تغيّر ملموس في المواقف الأفريقية المتضامنة مع القضية الفلسطينية؛ والمناهضة للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. وأنّ هناك جبهة أفريقية بدأت تتشكّل لمواجهة التغوّل والتوحّش الإسرائيلي ومحاصرته. بل إنّ الأمر أصبح يتعلّق بموقف أفريقي متقدّم يُراهن عليه في إجهاض مُخطّط التهجير الإسرائيلي الذي لن يجد دولة أفريقية تقبل به.