فضاء مفتوح للفنون الأدائية في بيروت.. ماذا في "دائرة" سارة قصير؟

مشروع فني أطلقته الحكواتية اللبنانية سارة قصير في بيروت. ما قصة مشروع "دائرة"؟ وأين تكمن أهميته؟

"أول مركز متخصص في تدريس فن الحكواتي في العالم العربي وفق مناهج أكاديمية جامعية محترفة". لو اكتفينا بهذه العبارة في تعريف "الدائرة"، المركز الذي أسسته وتتولى إدارته المخرجة والممثلة والحكواتية اللبنانية، سارة قصير، في بيروت، لما احتجنا إلى المزيد للدلالة على ريادة المشروع وأهميته، ولكن الدائرة تكبر ليغدو قطرها أكثر اتساعاً وشمولاً. فماذا في هذه "الدائرة"؟

بعد ما يزيد على 20 عاماً من العمل في مجال المسرح والفنون الأدائية، وفي طليعتها فن الحكواتي، قررت سارة قصير وضع خلاصة خبرتها في مشروع يشبهها، ليكون امتداداً لمسيرتها الناجحة، ولتواصل من خلاله خدمة الفن الذي نذرت عمرها له، وخدمة بلدها ومجتمعها أيضاً، بطريقة أكثر احترافيةً وديمومةً، فكان مركز "الدائرة" الذي انطلق أخيراً في بيروت بزخم كبير يعدُ بنجاحٍ مرتقب مبنيّ على أسسٍ علمية ومدروسة.

من الداخل إلى الخارج

  • سارة قصير
    سارة قصير

"الدائرة مش خط منرسمو، خط بيرسملك حياتك"، تؤكد سارة قصير في حديث مع "الميادين الثقافية" مقاصد العبارة التي اختارتها شعاراً تسويقيّاً لمشروعها، وتماهيها مع الواقع بما يتجاوز الكلام الإنشائي الفضفاض، مشيرةً إلى أن المتدرّبين من مختلف الأعمار يؤكدون التغيرات التي شعروا بها بعد انتهاء فترة تدربهم في "الدائرة" على الصعد كافةً: النفسية والسلوكية والاجتماعية وسواها، واختلاف نظرتهم إلى الأمور ومقاربتهم لها.

وتشير قصير إلى أن أسباب ذلك تكمن في عدم اقتصار ما يقدمه المركز على "التكنيك" الخاصّ بكل فنٍّ أدائيّ إلى العمل على الجانب النفسي للأفراد وإراحة المتدربين من الداخل، أي الانطلاق "من الداخل إلى الخارج" لا العكس، ليفهموا أنفسهم أكثر ويدركوا مواطن ضعفهم وقوتهم ويتعرفوا إلى منشأ توترهم وقلقهم وكيفية معالجته فيتمكنوا من "مجابهة" الجمهور، لافتةً إلى أن الوقوف أمام الجمهور وإن كان يبدو سهلاً لبعضنا ممن يمتلكون ذكاءً اجتماعيّاً وعاطفيّاً عالياً في سن مبكرة، فهو ليس كذلك بالنسبة إلى الجميع.

جودة جامعية.. واستعانة بـ"أبناء الكار"

  • قصير تتولى بنفسها التدريب على فن الحكواتي فقط
    قصير تتولى بنفسها التدريب على فن الحكواتي فقط

وتلفت سارة قصير في حديثها معنا إلى أن فرادة التجربة لا تكمن فقط في التخصص النادر، بل في مستوى المعرفة التي يتمّ تقديمها للمتدرب ونوعيتها، متحدثةً عن "جودة جامعية" وعن تعاون مع مجموعة كبيرة من المدربين من المتخصصين و"أبناء الكار" أو أصحاب الخبرة الطويلة في مجالاتهم، في الوقت نفسه. 

ما يعني أن "دائرة" تتجاوز كونها مشروعاً فردياً لصاحبتها تستثمر فيه خبراتها ومهاراتها، وتلعب فيه وحدها كل الأدوار، ليكون مؤسسة حقيقية تتبع نهجاً احترافيّاً "يعطي الخبز للخباز" ويقدّم مصلحة المتدرب على أي اعتبار آخر. 

هكذا، نكتشف أن قصير تتولى بنفسها التدريب على فن الحكواتي فقط، والذي كان محور دراستها وشهادتها وخبرتها المهنية الطويلة، وذلك وفق المنهاج الأكاديمي الذي نالت الموافقة عليه أثناء سعيها للحصول على شهادتي الماجستير والدكتوراه في الاختصاص المذكور، أما بقية الاختصاصات فتتوزع على مجموعة من المدربين الأكفاء والمتخصصين.

المخيم الصيفي التخصصي: 21 مدرباً و170 متدرباً

  • "دائرة" تتجاوز كونها مشروعاً فردياً

وتتحدث قصير عن 21 مدرباً من أهل المسرح شاركوا فقط في المخيّم الصيفي الذي انتهت فعالياته مؤخراً وكان مخصّصاً للمسرح، ليتولوا الإشراف على 170 متدرباً شاركوا في المخيم، منوهةً بتقبل الناس لفكرة المخيمات التخصصية وإيمانها بأهميتها، بعد أن درجت العادة أن يتم حشر كل شيء في مخيم صيفي واحد.

وتؤكد أن العمل في هذا المخيم كان على شخصيات المتدربين وذكاءاتهم الاجتماعية وقدرتهم على التعبير والخيال والابتكار، وأن مقياس نجاح المخيم يتجلى في تعليقات أهالي الأولاد المشاركين الذين أكدوا الفوارق الكبيرة التي لمسوها في شخصية أبنائهم قبل مشاركتهم في المخيم وما بعده.

فضاء مفتوح ومكتبة

  • فكرة
    فكرة "الدائرة" تشي بالاحتضان وبانتقال الطاقة من وإلى الجميع

إضافة إلى ذلك، يشكل مشروع "الدائرة" فضاء مفتوحاً ومتاحاً لتقديم الأعمال الفنية والعروض الجاهزة المصنوعة خارجه، بوجود خشبة مسرح احترافية مجهزة بشاشة سينمائية ومستلزمات الصوت والإضاءة وفق أعلى المعايير، ما يتيح لكل من يرغب استخدامه للتدرب أو لعرض أعماله أو لاستضافة ندوات متنوعة وورش وعروض أفلام، ضمن جو دافئ ومريح للضيوف بدءاً من الديكورات والألوان وصولاً إلى أصغر تفصيل فيه.

ولا تنسى سارة قصير الإشارة إلى المكتبة الخاصّة بفنون المسرح والحكواتي الموجودة في "الدائرة"، وتتوفر فيها كل المراجع المتخصّصة في هذين المجالين، مع زاوية صغيرة للقراءة وما يشبه مقهى صغيراً لضيوف "الدائرة"، في تأكيد لأهمية الكتاب ومرجعيته لمن يريدون دخول عالم المسرح والحكواتي بصورة صحيحة. 

لماذا "الدائرة"؟

  • قصير تؤكد أن ما يميز مشروع
    قصير تؤكد أن ما يميز مشروع "دائرة" هو الروح

وبالحديث عن أسباب التسمية، تلفت سارة قصير إلى أن "الدائرة" هي الشعار الأساسي في المسرح، وتستعيد فكرة الطاولة المستديرة التي تمنع إهمال أحد الجالسين أو تقديم أحد على سواه وتتيح للجميع رؤية بعضهم بعضاً والتفاعل في ما بينهم بالمقدار نفسه. 

وتضيف أن فكرة "الدائرة" تشي بالاحتضان وبانتقال الطاقة من وإلى الجميع، حيث يقدّم الجمهور للواقف على المسرح انطباعات إيجابية تولد لديه إبداعاً إضافيّاً، وهكذا، في دائرة تبادلية لا تنتهي بنقطة محددة. كما أن تعلّم فنون التواصل في "الدائرة" يجعل الفرد أكثر انطلاقاً بين الناس والناس أكثر تقبلاً له وإنصاتاً إليه ما يزيد من عطائه أيضاً وأيضاً.

وتختم قصير حديثها معنا بالتأكيد على أن ما يميز المشروع في نظرها هو الروح، وجوّ العائلة السائد بين أفراده، الذين يتشاركون حكاياتهم الشخصية أحياناً ويهتمون لأمور بعضهم ويسألون عن أحوال بعضهم، مشيرةً إلى أن ذلك سبب إضافي لاختيار اسم "الدائرة".

من هي سارة قصير؟

  • شاركت قصير في العديد من المهرجانات الدولية للمسرح والحكواتي والأفلام
    شاركت قصير في العديد من المهرجانات الدولية للمسرح والحكواتي والأفلام

سارة قصير هي ممثلة ومخرجة وحكواتية وإعلامية وأستاذة جامعة لبنانية، حائزة على الإجازة في التربية المسرحية، والإجازة في الإعلام المرئي والمسموع، والماجستير في المسرح (فن الحكواتي والتمثيل)، والدكتوراه في الفن وعلوم الفن - قسم المسرح - في مجال فن الحكواتي والتربية والتعليم من الجامعة اللبنانية.

وتعدّ سارة صاحبة أول منهج عملي عربي لإعداد الحكواتي استناداً إلى مناهج إعداد الممثل بمصادقة علمية من الجامعة اللبنانية - قسم المسرح، وهي أيضاً صاحبة أول دراسة أكاديمية تطبيقية حول استخدام فن الحكواتي والحكاية الشعبية في التعليم المدرسي الأساسي.

وعلى الصعيد العربي، أعادت سارة قصير إطلاق فن الحكواتي في سلطنة عمان بالتعاون مع "المركز الثقافي العربي" في مسقط، وفي العراق بالتعاون مع "العتبة الحسينية المقدسة" في كربلاء، وأسهمت في إعادة إطلاق فن الحكواتي في البحرين، والسعودية، وسوريا، من خلال التدريب المستدام لحكواتيين جدد. 

وهي أيضاً مخرجة لعشرات الأعمال المسرحية المتنوعة الأشكال للأطفال والبالغين، وممثلة في العديد من المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية في لبنان، ومخرجة لعشرات البرامج التلفزيونية والأفلام للأطفال، ومقدمة برامج تلفزيونية وإذاعية تُعنى بشؤون الفن والمسرح والحكواتي، وأستاذة جامعية في عدد من الجامعات اللبنانية في مواد التقديم التلفزيوني والأداء الصوتي والتمثيل والإخراج.

وشاركت في العديد من المهرجانات الدولية للمسرح والحكواتي والأفلام (الجزائر- الشارقة - ألمانيا – تونس – مصر - إيران – دبي - قطر - الشارقة – أبيدجان - إيطاليا - سلطنة عمان – العراق – المغرب -ــ بريطانيا)، وحازت جوائز محلية وعالمية في مجالي الحكواتي وصناعة الأفلام كجائزة أفضل حكواتية في مهرجان إيران الدولي للحكواتي عام 2020 وجائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان الجزيرة الدولي قطر عام 2011 وجائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان الصحوة الدولي طهران عام 2013.

وشاركت سارة قصير كعضو لجنة تحكيم في العديد من المهرجانات المحلية والعالمية، منها مهرجان الفجر السينمائي الدولي في طهران، مهرجان "أفلام الاطفال الدولي" في أصفهان، مهرجان "الحكواتي الدولي" في طهران، مهرجان "الحسيني الصغير" في كربلاء، مهرجان "مسرح الصحراء" في تونس، ومؤخراً تم اختيارها عضواً في لجنة إعداد المناهج الرسمية لمادة المسرح في المدارس في المركز التربوي للبحوث والإنماء في لبنان.

رابط "الدائرة" على "إنستغرام":

https://www.instagram.com/al.daeera?igsh=MXRncDk0a3lmdGd5NA==

 

اخترنا لك