"حَيْوَنَة" مبعوث "الباب العالي"!
لم تكن إهانة برّاك سوى حلقة في سلسلة طويلة من الاستهداف للصحافيين والإعلاميين. فخلال العدوان الإسرائيلي، وثّقت منظّمات حقوقية جرائم اغتيال للإعلاميين في جنوب لبنان، حيث استشهد 4 من زملائنا في الميادين.
-
"حَيْوَنَة" مبعوث "الباب العالي"!
في قصر بعبدا مقرّ الرئاسة اللبنانية، في البلد الذي ينساب منه وإليه نور الحرية عبر كوى التاريخ، وقف الموفد الأميركي حاملاً في صوته ثقل إمبراطورية، وفي تعابيره غطرسة عقود من الاستعلاء. لم يكن مجرّد دبلوماسي يطلب الهدوء، بل كان ممثّلاً لثقافة تتعامل مع العالم كساحة لاستعراض القوة، ومع الصحافيين كرعاع يجب تأديبهم، مفتقداً لأدنى معايير الدبلوماسية واللياقة.
ما حدث في بعبدا لم يكن مجرّد هفوة دبلوماسية، بل كان تعبيراً صادقاً عن نظرة تعتبر شعوبنا أدنى، وكلمتنا أقلّ قيمة، وحرياتنا هبة من "سادة" العالم المنتحل صفات التحضّر والحرية، فيما هو يمارس نقيضهما تماماً.
إنها العقلية ذاتها التي تشعل الحروب من فلسطين إلى أوكرانيا وما بينهما، ثم تأتي لتعلّمنا "التحضّر" و"اللياقة" بينما أنيابها تقطر دماً.
لقد نسي توم برّاك (اللبناني الجذور) أنّ لبنان، هذا الوطن الصغير جغرافياً، عملاق الثقافة والإعلام. نسي أنّ كثيراً من صحافييه هم ورثة روّاد الصحافة في لبنان والعالم العربي، وشهداء الكلمة على امتداد العصور، وأنهم ينتمون إلى أرض علّمت العالم الأبجدية. كيف له أن يأتي إلى أرض الحضارة والكلمة ليعلّم أبناءها "التحضّر"؟
وفيما كان برّاك يستعلي على الصحافيين في قصر الرئاسة، كان زملاؤهم في غزة يُقتلون على الهواء مباشرة. ففي 25 آب/أغسطس 2025، ارتكب الاحتلال الإسرائيلي مجزرة بحقّ خمسة صحافيين فلسطينيين كانوا ينقلون حقيقة الإبادة الجماعية من فوق سطح مجمّع ناصر الطبي في خان يونس، مما أسفر عن استشهادهم جميعاً.
لم تكن هذه الجريمة النكراء سوى حلقة في مسلسل الإبادة الإعلامية التي تمارسها آلة الاحتلال الوحشية ضد الصحافيين الفلسطينيين، حيث استشهد 247 صحافياً فلسطينياً في قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، فيما تتواصل الإبادة ضد أبناء غزة على اختلاف أعمارهم ومجالات عملهم.
وفي لبنان نفسه، لم تكن إهانة برّاك سوى حلقة في سلسلة طويلة من الاستهداف للصحافيين والإعلاميين. فخلال العدوان الإسرائيلي، وثّقت منظّمات حقوقية جرائم اغتيال للإعلاميين في جنوب لبنان، حيث استشهد 4 من زملائنا في الميادين هم: فرح عمر، ربيع المعماري، غسان النجار، محمد رضا، وسبقهم في الشهادة الزميل الإعلامي عصام العبد الله، في اعتداء يرقى إلى مستوى جريمة حرب.
هؤلاء الصحافيون والإعلاميون في غزة وجنوب لبنان لم يكونوا مجرّد ناقلين للأخبار، بل كانوا شهود عيان على المجازر التي ترتكب بحقّ المدنيين. لقد أدركت سلطات الاحتلال أنّ كاميراتهم أقوى من صواريخها، فاختارت أن تغتال الحقيقة قبل أن تغتال الإنسان. وفي غزة خصوصاً، حيث يُمنع الصحافيون الدوليون من الدخول، أصبح الصحافيون المحليون الشريان الأخير الذي يربط العالم بالحقيقة، حتى وإن كان الثمن هو حياتهم.
إنّ إهانة الصحافيين في لبنان هي إهانة لكلّ صحافي يرفع الصوت في وجه الطغاة، ولوحة سوداء في وجه كلّ من يدّعي الدفاع عن حرية الإعلام. ففي الوقت الذي تهدر فيه كرامة الصحافيين في قصور الرئاسة، تُسحق كرامة زملائهم تحت دبابات الاحتلال في غزة، وتكمّم أفواههم في السجون هنا وهناك، على امتداد المعمورة.
إنها المعايير المزدوجة ذاتها: حرية للتعبير تمنح لأتباعهم، وقمع لكلّ من يعترض على سياساتهم. صحافة تمدح وتُكافأ، وأخرى تنقد وتُعاقَب. إنها لعبة قديمة بثياب جديدة، حيث تُستخدم حرية التعبير سلاحاً انتقائياً لتكميم الأفواه لا لتحريرها.
لكنّ التاريخ يعلّمنا أنّ الكلمة الحرّة كالنبتة البرية، كلما سُحقت عادت للظهور من بين الصخور. فمن صفعات المستعمرين القديمة إلى إهانات الدبلوماسيين الجدد، تبقى الكلمة أقوى من كلّ صنوف القمع. ويبقى الصحافيون النزهاء يمارسون حقّهم الطبيعي في السؤال والمساءلة، لأنهم يعلمون أنّ في صمتهم خيانة للحقيقة.
فيما مبعوث "الباب العالي" الأميركي يغادر الوطن المنذور للمطامع والمِحن، تتبخّر وعوده كالضباب، لكنّ الكلمة التي حاول إسكاتها ستبقى شاهدة على لحظة أخرى من لحظات الاستعلاء التي لن تنسى. فكما قال جبران: "لا تقتلوا الكلمة، فإنّ الكلمة التي تخرج من شفتي رجل محتضر تخلّد في أذن الدهر".
وكم كنا نتمنّى لو انبرى أحد الزملاء للردّ مباشرة على الموفد الفظّ وأسمعه ما يجب سماعه، أو لو كان الردّ الرسمي اللبناني بما يتناسب مع مستوى الاستعلاء والفظاظة التي يعاملنا بها مبعوثو "الأنكل سام". وهنا، في هذه الأسطر، كان في إمكاننا التصرف بالمثل، والكتابة عن "الحيونة" التي تصرف بها السيد توم لولا أن كثيراً من الحيوانات أكثر لطفاً ووداعة!
أما الدماء التي تسيل في غزة وجنوب لبنان، والأقلام التي تُكسر في سجون الطغاة، والأصوات التي تُكتم على الملأ، فهي الشاهدة على أنّ الحقيقة لا تموت، وأنّ الكلمة الحرّة ستظلّ أقوى من كلّ صنوف القمع والاستعلاء.