الدراما المتلفزة مقاومة نفسية.. و"بالدَّمّ" يتصدّر

الدراما التلفزيونية، في جوهرها، ليست مجرد وسيلة لتزجية الوقت. إنها شكل من أشكال الحكي المعاصر، وسيلة لتوثيق العصر، وأداة لفهم التعقيدات الإنسانية. في عالم يزداد فيه الاتصال الرقمي والانعزال الاجتماعي.

  • لقطة من مسلسل
    لقطة من مسلسل "بالدَّمّ"

كما جرت العادة، تكتظ الشاشات العربية في شهر رمضان المبارك بالمسلسلات التلفزيونية حتى يكاد المشاهد يضيع بين مسلسل وآخر، خصوصاً وأنّ بعض الممثلين يشارك في أكثر من عمل ضمن الأعمال المعروضة. ولئن أراد المتابع مشاهدة كل الأعمال الدرامية لاحتاج ربما إلى سنة كاملة لا فقط إلى شهر أو بضعة أسابيع.

لكن، يا ترى، ما سرّ الدراما التلفزيونية في عصر يتفوّق فيه الذكاء الاصطناعي على القدرات البشرية، وتتشتت فيه الانتباهات بين فيديوهات قصيرة ومواقع بث سريعة، حتى تظلّ محتفظة بمكانتها كفن قادر على خلق مساحات عاطفية وفكرية فريدة؟ ما سر هذا الصمود أمام زحف المنصات الرقمية؟ ولماذا لا يزال المشاهدون يتشبّثون بهذا الشكل الفني القديم نسبياً؟

تمتلك الدراما التلفزيونية قدرة فريدة على نسج علاقة زمنية ممتدة مع المشاهد. فخلافاً للمحتوى الرقمي السريع، تمنح المسلسلات مساحة كافية لتطور الشخصيات وتعقيداتها، ما يخلق نوعاً من التعلق النفسي. هذه العلاقة الزمنية - التي قد تمتد لأسابيع أو أشهر- تحاكي في عمقها طبيعة العلاقات الإنسانية الحقيقية، وتوفر للمشاهدين نوعاً من "الرفقة الافتراضية" التي تفتقر إليها معظم أشكال الترفيه الحديثة.

كما تشكل الدراما التلفزيونية نافذة مهمة لفهم التحولات المجتمعية من خلال قدرتها على تقديم القضايا الاجتماعية في قالب درامي جذاب، تنجح أحياناً في لعب دور تربوي خفي، لا سيما إذا كان العمل هادفاً ومتقناً. فالمشاهد لا يتلقى المعلومات بشكل مباشر، بل يختبرها من خلال حيوات الشخصيات وتطور الأحداث، ما يجعل التأثير أكثر عمقاً واستمرارية. هذه الميزة تفسّر سبب استخدام العديد من الحملات التوعوية للدراما كوسيلة لنشر رسائلها.

في عالم تسيطر عليه ثقافة "الاستهلاك السريع"، تمثل مشاهدة المسلسلات نوعاً من المقاومة النفسية. فهي نشاط يتطلب الصبر والانتظار، ويقدم مكافأة عاطفية متدرجة، على عكس المحتوى الرقمي الذي يعتمد على الإشباع الفوري. هذه الخاصية تجعل من الدراما التلفزيونية شكلاً من أشكال "التأمل النشط" في عصر فقدان التركيز.

رغم انفراد كل شخص بشاشته الخاصة في الزمن الرقمي، تظل مشاهدة المسلسلات العائلية واحدة من آخر الطقوس الجماعية الباقية. هذه الممارسة لا توفر فقط موضوعاً للحديث المشترك، بل تعيد إحياء فكرة "الاجتماع حول قصة واحدة"، وهي عادة إنسانية قديمة تواجه خطر الانقراض في العصر الحديث.

إلى كل ما تقدّم، لم تقف الدراما التلفزيونية مكتوفة الأيدي أمام التحديات التكنولوجية. فقد تبنّت أشكالاً جديدة من التوزيع عبر المنصات الرقمية، وطوّرت تقنيات إنتاجها، وواكبت اهتمامات الأجيال الجديدة من دون التخلي عن جوهرها القائم على القصة العميقة وتطور الشخصيات. هذا التكيف الذكي يثبت أن المشكلة ليست في الوسيط نفسه، بل في كيفية استخدامه.

الدراما التلفزيونية، في جوهرها، ليست مجرد وسيلة لتزجية الوقت. إنها شكل من أشكال الحكي المعاصر، وسيلة لتوثيق العصر، وأداة لفهم التعقيدات الإنسانية. في عالم يزداد فيه الاتصال الرقمي والانعزال الاجتماعي، تظل هذه المسلسلات جسراً بين الأفراد والمجتمعات، بين الماضي والحاضر، بين الواقع والخيال. ربما هذا ما يفسر سبب بقائها رغم كل التغيرات التكنولوجية - لأنها في النهاية تلامس شيئاً أساسياً في طبيعتنا البشرية.

***

من بين الأعمال الدرامية التي تميزت هذا العام مسلسل "بالدم" كتابة نادين جابر، إخراج فيليب أسمر، إنتاج شركة "إيغل فيلمز" للمنتج جمال سنان، بطولة ماغي بو غصن وباسم مغنية وبديع أبو شقرا ونخبة من نجوم الشاشة اللبنانية مثل رفيق علي أحمد، غبريال يمين، جوليا قصّار، كارول عبود، سينتيا كرم، نوال كامل، رولا بقسماتي، مارلين نعمان، جسي عبده، وسام فارس، سعيد سرحان وسواهم، ومردّ تميزه طرحه موضوعات واقعية حساسة مثل تجارة الأطفال والتبني غير الشرعي والعنف ضد المرأة، ضمن معالجة درامية متصاعدة، وأداء تمثيلي متقن لمعظم الممثلين المشاركين في العمل بإدارة مخرج محترف هو فيليب أسمر الذي يثبت تميزه عملاً تلو آخر.

يحسب لجهة الإنتاج تقديمها دراما لبنانية خالصة قادرة على المنافسة بدليل تصدر المسلسل "الترند" ليس فقط في لبنان بل في كثير من البلدان العربية، رغم كثرة المسلسلات المعروضة في شهر رمضان، فضلاً عن اختيار موضوعات غير ممجوجة أو مستهلَكة مثل صراع العصابات والفتوّة المجانية والقصص العاطفية السطحية، وهي بذلك ترفع سوية الإنتاج عساها تحفّز شركات الإنتاج الأخرى على خوض المنافسة في سبيل دراما عميقة ترتقي بالذائقة وتسلط الضوء على قضايا جدية، وتخرج من دائرة تفصيل الأعمال على مقاس هذا النجم أو ذاك، وتتخلى عن الرهان على وسامة النجم وجمال النجمة.

النجومية شيء والتمثيل شيء آخر، وما نرجوه دائماً هو دراما حقيقية تساهم قدر المستطاع في رفع مستوى الوعي والذوق من دون أن تفقد قدرتها على الإمتاع والمؤانسة. وحسناً فعل صنّاع "بالدمّ" أنهم ضخّوا دماً جديداً في الدراما اللبنانية. فكان كل الذين شاركوا فيه نجوماً وممثلين بارعين أثبتوا أن الممثل اللبناني قادر على الإبداع والمنافسة متى تسنّى له نصٌّ جيد وإخراج متقن مدعومَين بإنتاج سخيّ.

اخترنا لك