جنوبيّون

أرض الجنوب ليست مجرّد ترابٍ تمشي عليه الأقدام، بل هي ذاكرة الأجداد ونبض الأحياء، ومرقد الشهداء. الجنوبيّ يرتبط تلقائيّاً بأرضه وترابه.

علاقة أبناء الجنوب اللبناني بأرضهم عصيّة على الشرح والتفسير. 

كأنّ حبل سرّتهم مع ترابهم لا ينقطع أبداً، مهما هاجروا وتهجّروا، مهما غابوا وتغرّبوا، ومهما حرمتهم السلطة من حقوقهم وأوّلها حقّ الدفاع عنهم، ومهما شنّ عليهم الاحتلال الإسرائيلي من اعتداءات واجتياحات يعودون في كلّ مرة لِيعيدوا بناء مدنهم وقراهم أجمل ممّا كانت مع يقينهم باحتمال أن يعاود الاحتلال القصف والقتل والتدمير، يبدون أحياناً مثل سيزيف حامل الصخرة إلى أعلى لكنّ كفاحهم ليس "سيزيفياً" لأنه يؤتي ثماره رغم كلّ التضحيات. فكلّ البطش والعسف والهمجيّة التي يمارسها عليهم هذا الاحتلال منذ اغتصابه أرض فلسطين حتى اليوم لم يدفعهم يوماً إلى التخلّي عن أرضهم التي رووها بدمائهم ودموعهم وعرق جباههم وزنودهم.

أرض الجنوب ليست مجرّد ترابٍ تمشي عليه الأقدام، بل هي ذاكرة الأجداد ونبض الأحياء، ومرقد الشهداء. الجنوبيّ يرتبط تلقائيّاً بأرضه وترابه. هذا التعلّق الفطري لا ينبع من فراغ، بل هو خليط من المشاعر والأحداث والذكريات التي تصنع هوية الفرد وتشكّل جزءاً من كيانه، وهو يتشرّب كل هذا مع حليب الأمهات ومع السرديات والمرويات الشعبية التي يتوارثها الجنوبيّون أباً عن جدّ. فكيف الحال إذا أضيف إلى كلِّ ذلك كلُّ ما أسلفناه من تحديات ومِحن عاشها الجنوبيون على مرّ العقود.

البيت الجنوبي ليس حجارةً مرصوصة أو جدراناً تحمي من الحرّ والقرّ، إنه ملاذ الأمان ومهد الأحلام، مسكون بالصلوات والابتهالات والنذور والرُّقيات، في غرفه تروى قصص الكفاح والجهاد، وعلى عتباته تُنقَش لحظات الفرح والحزن. كلّ زاوية في البيت تحمل بصمة من عاش فيه ومن استُشهِد لأجله، وكلّ شيء فيه يشهد على تفاصيل صغيرة صنعت تاريخ عائلة. حتى إذا غادر فرد منها طلباً لِرزق أو بحثاً عن مستقبل، يظلّ الحنين إلى تلك الجدران ساكناً قلبه ووجدانه كشجرةٍ متجذّرة في أعماقه لا تقتلعها المسافات، والجنوبيّ الذي لا يسكن الجنوب يسكنه الجنوب في حلّه وترحاله.

لهذا تجد المغتربين من الجنوبيّين يصرّون على بناء بيت لهم في قراهم حتى لو عاشوا العمر كلّه في المهجر. كأنّ هذا البيت يمثِّل الرحم التي تشكّل فيها المرء جنيناً قبل خروجه إلى هذه الدنيا الملأى أصلاً بالتحدّيات والمشقّات. بيت يحلم بالعودة إليه ولو محمولاً على الأكتاف!

في كروم الزيتون ومشاتل التبغ لا تعود الأرض مجرّد تراب يُزرع بل تصبح رمز العطاء والصبر والمقاومة. فيها يتعلّم الجنوبيّ معنى الجهد والانتظار، وفي محاريثها ومساقيها تتوارث الأجيال أسرار التعامل مع الطبيعة والانتماء إليها. 

الحصاد ليس مجرّد جمع المحاصيل، بل هو احتفال بثمرة العمل وارتباط بالأرض التي لا تخون من يعتني بها. الفلاح الذي يمسك بيديه حفنة ترابٍ من حقل أسلافه، يشعر بأنه جزء من سلسلة ممتدة عبر الزمن، سلسلة لا تنقطع لأنّ جذورها ضاربة في المكان، لذا يبكي الجنوبي شجرةً اقتلعها الاحتلال مثلما يبكي فلذة الكبد، لأنه والشجرة صنوان في التجذّر والانتماء.

قد تتغيّر ملامح الأرض مع السنين مثلما تتغيّر قسمات البشر، وقد تهدم البيوت بفعل همجية المحتل وإجرامه، وتتحوّل الحقول إلى قفر ويباب، لكنّ تعلّق القلب بمسقط الرأس يبقى أقوى من كلّ تغيير. هذا الحب الغريزي هو ما يجعل الجنوبي يدافع عن أرضه حتى النفس الأخير، وهو ما يدفعه إلى العودة إليها مهما كانت المشقّة. 

فالأرض والبيت والحقل ليست أماكن مادية فحسب، بل هي أوطانٌ صغرى تحمل في طياتها معنى الانتماء الحقيقي ولا سيما أنها ارتوت بدماء الشهداء الذين بذلوا أرواحهم الغالية رخيصةً في سبيل حقهم في الحياة الحرة الكريمة فوق ترابهم المقدّس الذي زرعوه، كما تقول سيدة جنوبية، زيتوناً ورجالاً، فيما تقول سيدة أخرى: "هذا العام لم نستطع أن نسقي مزروعاتنا ماءً (بسبب العدوان الإسرائيلي) لكننا سقيناها دماً ودموعاً".

ما مرّ على الجنوب اللبناني والجنوبيين ليس هيّناً ولا قليلاً، لكنه مهما بلغ من القسوة والجبروت، يظلّ أقّل بكثير من هذا الانتماء الاستثنائي الذي لم (ولن) تقوَ عليه الحروب والاعتداءات. ففي هذا التراب رميم الأسلاف ودماء الشهداء ومفقودي الأثر، وفيه بذور الأحلام الأولى والبدايات الشغوفة، وفيه قِبلة الرجاء بوطن تصير فيه كلّ الجهات الجنوب!

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك