صرخة في وجه الضمير العالمي

سيسجّل التاريخ أنه في زمن الامتحان الإنساني الكبير، وقف بعض المثقفين والفنانين كحراس للقيم، بينما فضّلت الغالبية البقاء في منطقة الراحة والاستمتاع بامتيازات الشهرة والنجومية.

في القرن الــ 21، حيث تتباهى البشرية بما بلغته من تقدّم مادي، تقف الإنسانية عارية أمام اختبارها الأخلاقي الأصعب. الأمم المتحدة تعلن رسمياً ما عرفناه وشاهدناه جميعاً، لكن الإعلان الرسمي للمجاعة (قل التجويع) يبدو وكأنه ختم رسمي على شهادة وفاة الإنسانية ذاتها، وعلى إدانة الأمم المتحدة لنفسها ولعجزها عن وقف آلة الإبادة الإسرائيلية المتعددة الأشكال في قطاع غزة. 

في غزة، مَن لم يمت قصفاً مات تجويعاً، يقضي الأطفال نحبهم تحت وطأة الجوع، ليس بسبب كارثة طبيعية، بل بسبب قرارات متعمّدة يتخذها مجرمو حرب على الملأ وأمام الكاميرات، في مشهد يثبت مرة أخرى وبألف دليل ملموس بأن التوحش لم يختفِ من هذا العالم بل ارتدى ثياباً حديثة وربطات عنق، لكن ممارساته تفوق الداعشية إجراماً وتوحّشاً.

أطفال غزة يموتون تجويعاً لا جوعاً بفعل الجريمة الإسرائيلية المتمادية، بينما يواصل العالم المنتحل صفات الحرية والتحضّر حياته كأنّ شيئاً لم يكن، يستمر الصخب والضجيج حول أتفه الأمور والمناسبات، ويتباهى أصحاب المليارات بحفلات بذخهم وأعراسهم ويخوتهم الفاخرة وقصورهم المشيدة على أنقاض القيم الإنسانية.

لقد أصبحت لقمة العيش سلاحاً في حروب العصر القذرة، سلاحاً لا يقل فتكاً عن القنابل، بل قد يفوقها قسوة لأنه يستهدف الكرامة الإنسانية في صميمها.

وفي خضم هذا المشهد المأساوي، تتجلى أزمة النظام العالمي بأكمله. فالسياسة الدولية تتخلى عن آخر أوزار أخلاقها، وتنحدر إلى مستوى لم تشهده البشرية حتى في أحلك عصورها. المؤسسات الدولية تقف عاجزة أو متواطئة، والدول الكبرى والمهيمنة تتبارى في استخدام حق النقض (الفيتو) ليس فقط ضد حق شعب في تقرير مصيره، بل ضد حقه في الحياة نفسها.

لكن الأكثر إيلاماً هو الصمت المدوي للعالم العربي، صمت السلطات المتواطئة أو العاجزة، وصمت الشعوب المقموعة أو الخانعة، لكن الأصعب هو صمت المثقفين والفنانين والمشاهير. أين صوت الأديب الذي يدّعي تمثيل الضمير الحي؟ أين الفنان الذي يزعم أنه مرآة المجتمع؟ أين النجم الذي يملأ الدنيا ضجيجاً بالإعلانات التجارية ويصمت عندما تتعرض الإنسانية للانتهاك؟

إن مسؤولية المثقفين والفنانين في زمن الأزمات ليست ترفاً فكرياً، بل واجباً أخلاقياً لا يقبل الجدل. ليس مطلوباً منهم انحياز سياسي، لكن المطلوب موقف إنساني واضح. الصمت اليوم ليس حياداً، بل هو تواطؤ. التزام الصمت أمام حرب الإبادة والتجويع يعني التخلي عن الجوهر الإنساني للفن والثقافة.

لقد أصبحت الشهرة في عصرنا الاستهلاكي سلعة ثمينة، لكنها تحمل مسؤولية أخلاقية تجاه من منحوا هؤلاء النجوم والمشاهير مكانتهم وشهرتهم. عندما يصمت النجم عن الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية، فهو يخون تلك الثقة ويصبح جزءاً من آلة التعتيم والتضليل.

في المقابل، تبرز أصوات شجاعة في أنحاء العالم، طلاب جامعات يرفضون أن تكون معرفتهم منفصلة عن ضميرهم، فنانون يقدمون إبداعاتهم كصوت للمضطهدين والمجوّعين، متظاهرون يملأون الشوارع غضباً ضد الظلم والاحتلال. هؤلاء هم من يحملون اليوم مشعل الإنسانية في زمن العتمة الحالكة.

إن تجويع غزة ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل هو محك حقيقي لضمير العالم. إنه اختبار لمدى مصداقية ادعاءاتنا بالتحضر والتقدم، وامتحان صعب لمعنى الإنسانية في القرن الــ 21، حيث يبدو الذكاء الاصطناعي حين يتفلّت من مبرمجيه أكثر إنسانية من صانعيه.

سيسجّل التاريخ ليس فقط الجرائم التي ارتكبت بحق أطفال غزة، بل سيسجّل أيضاً أسماء الذين صمتوا وأسماء الذين نطقوا. سيسجّل أنه في زمن الامتحان الإنساني الكبير، وقف بعض المثقفين والفنانين كحراس للقيم، بينما فضّلت الغالبية البقاء في منطقة الراحة والاستمتاع بامتيازات الشهرة والنجومية.

نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ثقافة المقاومة بالإبداع، إلى فن يرفض أن يكون مجرد سلعة استهلاكية، وإلى مثقفين يرفضون أن يكونوا مجرد ديكور في المناسبات الرسمية؛ لأن في الصمت خيانة ليس فقط لشعب فلسطين وفي مقدمه أبناء غزة، بل للإنسانية جمعاء وللمستقبل الذي سنتركه لأجيال قادمة.

إذا لم يُطلق تجويع غزة صرخة مدوية توقظ الضمير العالمي؛ فالأجدى ساعتها عِوَضَ مناشدة هذا الضمير أن نكتب نعياً له ثم نصلّي لراحة نفسه!

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك