من هو الشاعر؟
ثمة شعراء دفعوا حياتهم ثمناً لقصائدهم وما تضمنته من مواقف تجاه الوقائع والأحداث التي عاشوها كلٌّ في عصره وزمانه. وهذا ما يؤكد أن أعذب الشعر ليس أكذبه بل أصدقه انطلاقاً من المتغيرات والتحولات التي تصيب الشعر نفسه.
-
لوحة بعنوان "الشاعر الفقير" للألماني كارل سبيتزفيج (1808 - 1885)
يرسم البعض صورةً فولكلورية للشاعر تقدّمه على هيئة شخص أشعث الشعر طويله، مُهمِلاً مظهره وهندامه، يردد كلاماً مبهماً غير مفهوم. صورة كاريكاتيرية مضحكة ساهم بعض الشعراء في ترسيخها، سواء كان من خلال سلوكهم أو نصوصهم، فضلاً عن أعمال مسرحية وتلفزيونية بينها أعمال عادل إمام وزياد الرحباني التي قدمت الشاعر على نحو هزلي مضحك وأحياناً مهين.
في المقابل، يرسم البعض الآخر صورة مثالية للشاعر، أو لنقل صورة نمطية معاكسة. فهو حالم دائم، لا ينطق إلا شعراً ورومانسية، إذا قلت له أسعد الله صباحك يرد بقصيدة، وإذا غادرته يودّعك بأخرى، ينام ويصحو على قول الشعر وترداده على مسامع أهله وأصدقائه وجيرانه، كأن لا شغل له ولا عمل سوى التحليق في فضاءات الحلم والهيام.
يضاف إلى هذه وتلك صورة الشاعر العاشق المفتون الهائم في عشق النساء. هذه الصورة التقليدية أو الشعبوية تجد سنداً لها في كثير من المرويات التاريخية والشعبية عن شعراء تاهوا في عشق نسائهم، ولكن هيهات، أين الأمس من اليوم حيث لم يعد الشاعر ذاك الفارس النبيل ولا الجنتلمان المنقطع النظير، ولنا في سِيَر بعض الشعراء براهين كثيرة تكشف كيف تحوّل زواجهم جحيماً لا يُطاق، لا عليهم بل على زوجاتهم، لأن الرجل الشرقي حتى وإن كان شاعراً لا يزال يحتكر أدوار البطولة مُحرّماً على المرأة ما يحلّله لنفسه، وعائشاً الصيف والشتاء تحت سقف واحد.
على أي الحال، وفي معزل عن قصص الحب والغرام التي غالباً ما تكون نهاياتها مأسوية،فإن ثمة نوعين من الشعراء: شاعر الكتابة وشاعر الحياة.
شاعر الكتابة يكتفي بكتابة قصيدته من دون أن يعيشها، قد تكون من بنات أفكاره أو من بنات تجاربه، لكنه في الحالين لا يعيشها حتى الصميم، حتى النخاع، حتى جريان الدم في العروق والأوردة. هذا الشاعر يعيش نوعاً من الانفصام بين ما يكتب وما يعيش، تماماً مثل المثقف الذي يكتب عن حرية المرأة ليل نهار لكنه يمارس القمع على زوجته وبناته وأخواته ومَن استطاع إليهن سبيلاً من بنات حواء، أو ينادي بالديمقراطية ويمارس الدكتاتورية لدى توليه أقل منصب، ويمكننا هنا مراجعة الكثير من النصوص والكتب التي تناولت ظاهرة ازدواجية المثقف العربي.
شاعر الحياة هو شاعر القصيدة والحياة معاً. الشعر عنده ليس مجرد قصيدة تُكتب أو كتاب يُنشر، بل هو أعمق من ذلك بكثير، إنه نمط حياة وأسلوب عيش ومقاربة للوجود والكائنات وطريقة تعامل مع الذات والآخرين. أن تحيا شاعراً أمر مختلف جداً عن مجرد كتابة الشعر. فالشعر يمكنك أن تكتبه من دون أن تعيشه، لكن حين تعيشه لا بد لك أن تكتبه.
لذا، نجد عند شعراء الحياة نوعاً من التماهي بينهم وبين قصائدهم، فيما نجد عند شعراء الكتابة تلك الفجوة الهائلة بين ما يقولون أو يكتبون وبين ما يمارسون أو يعيشون.
قديماً قالت العرب: أعذبُ الشعر أكذبه. لعل المقصود في تلك العبارة هو ما يستطيعه الشاعر من جموح المخيلة وجنوحها، ومن بيان وبديع واستعارات وتشابيه قوية وعميقة إلى درجة تبدو معها عصيةً على التصديق، وليس المقصود الكذب بحد ذاته، لأن الكذب لا يمكن أن ينتج نصاً شعرياً مدهشاً وحقيقياً.
ثمة شعراء دفعوا حياتهم ثمناً لقصائدهم وما تضمنته من مواقف تجاه الوقائع والأحداث التي عاشوها كلٌّ في عصره وزمانه. وهذا ما يؤكد أن أعذب الشعر ليس أكذبه بل أصدقه انطلاقاً من المتغيرات والتحولات التي تصيب الشعر نفسه، وبفعل تحوّل كثير من الشعر من العام إلى الخاص، من المطلق والمجرد إلى الملموس والمحسوس، من التهويم في فضاءات الخيال إلى اليومي المعاش، ولذلك أمسى الصدق علامةً على شاعرية النص أكثر من أي سمة أخرى.
طبعاً، لا يمكن تقسيم الشعراء بصورة مطلقة بين شاعر كتابة وشاعر حياة. فبعضهم يمكن أن يعيش الحالين معاً ويتقلّب على جمر التجربتين، والبعض الآخر يكون في مرحلة من المراحل شاعر كتابة فقط ثم ينضج وتختمر تجربته ليغدو في مرحلة أخرى شاعر حياة. لكن الأكيد أن بعض الشعراء يفرغون شحناتهم العاطفية والوجدانية والروحية على الورق ولا يتركون منها شيئاً للحياة اليومية والعلاقات الإنسانية، ليصبحوا في هذه الحالة أشد قسوة وفظاظة على نقيض الصورة المُتخيَلة أو المُفترَضة في أذهان العامة.