"Dropsite": "غوغل" تستحوذ على شركة تجسّس إسرائيلية

لقد أثارت العلاقة المتنامية بين وادي السيليكون و"الجيش" الإسرائيلي القلق بشأن دور شركات التكنولوجيا في تسهيل انتهاكات حقوق الإنسان.

  • نتنياهو يحضر افتتاح أحدث شركة ناشئة تابعة لـ
    نتنياهو يحضر افتتاح أحدث شركة ناشئة تابعة لـ "غوغل" للبحث والتطوير في "تل أبيب"

موقع "Dropsite News" ينشر تقريراً يتناول الصفقة، التي أعلنتها شركة "غوغل" للاستحواذ على شركة "ويز" الإسرائيلية لأمن الحوسبة السحابية، بمبلغ 32 مليار دولار. 

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

في منتصف الشهر الماضي، أعلنت شركة "غوغل" نيّتها الاستحواذ على شركة "ويز" الإسرائيلية لأمن الحوسبة السحابية، لقاء مبلغ هائل بنحو 32 مليار دولار. والصفقة في انتظار موافقة الجهات التنظيمية، وهي تُعَدّ الأكبر إطلاقاً لشركة إسرائيلية.

وجاء، في بيان "غوغل"، أنّ الاستحواذ "يتيح للشركات بجميع أحجامها الناشئة والكبيرة، إضافة إلى الحكومات ومؤسّسات القطاع العام، استخدام ويز لحماية كلّ أشغالهم في السحابة، من خلال انضمام ويز إلى غوغل كلاود". لكنّ خدمات الأمن، التي تقدّمها الشركة ومقرّها "تلّ أبيب"، ستظلّ متاحة عبر منصّات سحابية أخرى تستخدمها شركات كبرى، من ضمنها "أمازون ويب سيرفس"، و"أوراكل كلاود"، و"مايكروسوفت أزور".

إلّا أنّ ما لم يذكر في إعلان غوغل هو الخلفيات الشخصية لمؤسّسي شركة "ويز"، وهم ينون كوستيكا، وآساف رابابورت، وآمي لوتواك، وروي ريزنيك، وجميعهم من قدامى المحاربين في "الوحدة 8200" في قسم استخبارات التجسّس الإلكتروني في "الجيش" الإسرائيلي، والذي يؤدّي دوراً رئيساً في تنفيذ حروب "إسرائيل" على غزّة ولبنان.

و"الوحدة 8200" هي وحدة نخبة في "الجيش" الإسرائيلي، تجمع المعلومات الاستخبارية والمراقبة وفكّ الشفرات، إضافة إلى عمليات الأمن السيبراني والقرصنة. واتّهمت الوحدة من جانب قدامى المحاربين آخرين بمراقبة الفلسطينيين في الأراضي المحتلّة على نطاق واسع، بغرض "الاضطهاد السياسي"، إضافة إلى توفير معلومات كي تستخدم في عمليات قتل استهدافية، استناداً أحياناً إلى تفسيرات فضفاضة لبيانات المراقبة.

وإضافة إلى كونها عنصراً حيوياً في المؤسّسة العسكرية الاستخبارية الإسرائيلية، أصبحت "الوحدة 8200" بمنزلة قناة لتجنيد الشركات في وادي السيليكون، بحيث أسّس قدامى المحاربين عدداً من الشركات الناشئة البارزة في مجال التكنولوجيا، ضمنها مجموعة "أن أس أُو"، الشركة المطورة لبرنامج التجسّس "بيغاسوس"، الذي استُخدم في هجمات قرصنة على معارضين وصحافيين على الصعيد العالمي.

في الماضي كان خرّيجو "الوحدة 8200"، يتحدّثون بصوت خافت عن وظيفتهم، أمّا الآن فيروّجونها في البيانات الصحافية لجذب العملاء وأموال الاستثمار لشركاتهم الناشئة، وهذا ما أشارت إليه صحيفة "وول ستريت جورنال" في العام الماضي، بشأن العلاقة المتنامية بين القوات العسكرية الإسرائيلية وصناعة التكنولوجيا الأميركية.

إضافة إلى تأسيس شركاتهم الخاصة، شكّلت عمليات الاستحواذ، التي قامت بها شركات وادي السيليكون، وسيلة لمحاربي "الوحدة 8200" السابقين لترسيخ أقدامهم في الولايات المتحدة. ومنذ بداية الحرب على غزة، استحوذ وادي السيليكون على عدد من شركات التكنولوجيا الإسرائيلية، من ضمنها صفقة استحواذ بقيمة مليار دولار تقريباً من جانب شركة "بالو ألتو نتوركس" لشركتي "ديغ سيكيوريتي" و"تالون سايبر سيكيوريتي"، وتمّت الصفقة بعد أسابيع قليلة من بدء الحرب. ومثل "ويز"، أسس الشركتان أيضاً أعضاء سابقون في "الوحدة 8200".

أثارت العلاقة المتنامية بين وادي السيليكون و"الجيش" الإسرائيلي قلق المراقبين للصناعة الذين انتقدوا دور شركات التكنولوجيا في تسهيل انتهاكات حقوق الإنسان الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية.

في الأساس، يُموّل قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي بأكمله من جانب مستثمرين أميركيين مغامرين. ومن الشائع جداً أن تشهد استحواذات من جانب وادي السيليكون على شركات إسرائيلية، بحيث خدم كبار المسؤولين في هذه الشركات سابقا وفي "الوحدة 8200". وهذا يمنحهم صوتاً داخلياً، كما قال بول بيغار، مهندس برمجيات ومؤسّس مجموعة "تك فور فلسطين" الناشطة. وفي تعليقه على استحواذ غوغول الضخم الجديد، قال: "لا يجب الوثوق بشركة ويز، لأنّها تأخذ جميع بيانات المستخدمين، وتمرّرها عبر شركة إسرائيلية يديرها مسؤولون استخباريون سابقون".

وقال باحث يعمل على روابط العلاقات بين وادي السيليكون وعالم الاستخبارات، لموقع "دروب سايت"، إنّ مؤسّسة الاستخبارات الإسرائيلية أقامت علاقات عميقة وموسّعة بشركات التكنولوجيا الأميركية، وتمّ توثيق أكثر من 1400 عضو حالي وسابق في "الوحدة 8200"، ومن المخابرات العسكرية الإسرائيلية، ومديرية الدفاع السيبراني في "الجيش" الإسرائيلي، يعملون جميعهم الآن في شركات وادي السيليكون الكبرى.

وجمع الباحث القائمة من معلومات مفتوحة المصدر بشأن الأفراد، الذين لا يزال بعضهم في عداد جنود الاحتياط في هذه الوحدات، إضافة إلى وظائفهم حيث يعملون في المناصب الهندسية والقيادية العليا والمتوسّطة في شركات كبرى، مثل "سيسكو" و"مايكروسوفت"، و"نفيديا" و "إنتل" و"غوغل"، وعدد من الشركات الأخرى في قطاع التكنولوجيا الأميركي، ولديها مكاتب في "إسرائيل" والولايات المتحدة وأوروبا.

وأضاف الباحث، الذي جمع البيانات وحلّلها، وطلب عدم الكشف عن هويته، أنّه "إذا وقفت وسط وادي السيليكون ورميت حجراً، فستصيب أعضاء حاليين أو سابقين في الوحدة 8200".

خطّة الإنقاذ النقدي

يمثّل استحواذ غوغل على شركة "ويز" دفعة نقدية ضخمة للاقتصاد الإسرائيلي عموماً، والذي كان تضرّر بشدّة خلال الفترة الماضية ومدتها عام ونصف عام، في ظلّ الحروب الإسرائيلية في غزّة ولبنان وسوريا. وسيحصل موظّفُو الشركة، البالغ عددهم 1800، وكثير منهم يقيمون بـ"إسرائيل"، على 1.5 مليار دولار أميركي من الصفقة. ووفقاً لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، تقدّر المزايا الضريبية الجماعية، التي دفعها مؤسّسُو "ويز" ومستثمروها وموظّفوها إلى الحكومة الإسرائيلية، نتيجة لهذا الشراء، بنحو 4 مليارات دولار أميركي.

وأشارت المقالة إلى أنّ "إيرادات الضرائب المقدَّرَة، والتي يمكن أن تحصل عليها "إسرائيل" من هذه الصفقة، تعادل نحو 0.6% من الناتج المحلّي الإجمالي"، مضيفةً أنّ قرار غوغل من شأنه أن يساعد الحكومة في الواقع على مواصلة حروبها الجارية من خلال المساعدة على "تخفيف الضغط عنها لتمويل نفقات الدفاع والحرب وخفض عجز الميزانية ومستويات الديون المرتفعة".

كانت وكالة "موديز" المالية، التي تعنى بتوقّعات الاستقرار الاقتصادي، خفّضت التصنيف الائتماني لـ "إسرائيل" مرّتين في السابق، بسبب حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاضطرابات الاقتصادية المرتبطة بالحرب. وفي أواخر الشهر الماضي أشارت الوكالة تحديداً إلى ضعف قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي كونه خطراً على المحافظة على قواعدها الضريبية. وأضافت الوكالة في تقرير يحذر من المخاطر المتزايدة في المستقبل، بسبب "عدم اليقين بشأن أمن إسرائيل على المدى الطويل، وعلى آفاق النمو الاقتصادي، مع وجود مخاوف أيضاً على قطاع التكنولوجيا الفائقة ذات الأهمّية الخاصة، بالنظر إلى دورها المهمّ كمحرّك للنموّ ومساهم كبير في حصيلة الضرائب الحكومية.

كذلك، فإنّ قرار شركة غوغل بدفع مبلغ ضخم لشراء شركة "ويز"، هو إنقاذ فعلي للاقتصاد الإسرائيلي، ويأتي في وقت تسعى فيه الشركة أيضاً إلى بناء علاقات أوثق مع الجهات التنظيمية في إدارة ترامب. وفي حين تضرّر الاقتصاد الإسرائيلي، وخصوصاً قطاع التكنولوجيا من جرّاء الحرب، أعلنت غوغل مؤخّراً خططاً لاستئجار أكثر من 60 ألف متر مربع من المساحات المكتبية في "تلّ أبيب"، ودفعت أكثر من 300 مليون دولار على مدى عقد لاستئجار مكتب ضخم للشركة في برج توها 2 في المدينة. وساهمت هذه القرارات الاستثمارية في دعم "إسرائيل" حتّى خلال خضوعها لتدقيق متزايد بشأن سلوكها خلال الحرب.

قبل الحرب الحالية بوقت طويل، احتجّ موظّفو غوغل وطالبوا الشركة بإلغاء عقد قيمته 1.2 مليار دولار مع الحكومة والجيش الإسرائيليين، والمعروف باسم مشروع "نيمبوس"، والذي قدّم كمشروع مشترك بين غوغل وأمازون لخدمات الحوسبة السحابية المتقدّمة، والذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، وغيرها من الخدمات التكنولوجية للحكومة الإسرائيلية. ومن بين الإمكانيات التي ستحصل عليها الحكومة الإسرائيلية أيضاً وكجزء من الصفقة الجارية، هو الوصول إلى أدوات كشف الوجه، والتعرّف إلى الصور، وتحليل المشاعر، وهي أدوات مفيدة لإجراء الاستطلاع والمراقبة. وفي أعقاب احتجاجات داخلية على مشروع "نيمبوس"، شملت اعتصامات في عدة مكاتب وفروع طردت شركة غوغل عشرات الموظفين الذين كانوا جزءاً من مجموعة "لا للتكنولوجيا من أجل الفصل العنصري".

كانت منصات الذكاء الاصطناعي المعتمدة على تقنية السحابة، والتي سارعت غوغل لتوفيرها لـ "إسرائيل" بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، جزءاً لا يتجزأ من هجوم "الجيش" الإسرائيلي على قطاع غزة. وقد استخدمت برامج ذكاء اصطناعي مثل "لافندر" و"أين أبي"، التي كشفت عنها لأول مرّة "مجلة +972" الإسرائيلية، لتوليد أهداف للاغتيال تلقائياً، بحيث حدد أكثر من 37 ألف فلسطيني ومنازلهم في غزة كأهداف. وبمساعدة البرنامج، منح ضباط في "الجيش" "موافقة شاملة على اعتماد قوائم قتل برنامج "لافندر"، من دون الحاجة إلى التحقق بدقة من سبب اتخاذ الآلة لهذه الخيارات أو فحص بيانات الاستخبارات الخام التي استندت إليها.

وأدى استخدام "الجيش" الإسرائيلي تقنيات غوغل وأمازون، من ضمنها الخدمات السحابية مثل تلك التي من المرجح الآن أن يتم تعزيزها بواسطة "ويز"، إلى التدقيق في منظمات الحريات المدنية التي تركز على التكنولوجيا مثل مؤسسة الحرية الإلكترونية، والتي انتقدت العام الماضي الاستخدام المزعوم لمثل هذه التقنيات للمساعدة على "الاعتقالات والقتل والقمع المنهجي للصحفيين والعاملين في مجال الرعاية الصحية وعمال الإغاثة والعائلات والسكان المدنيين.

ومن المرجح أن يؤدي استحواذ غوغل على شركة "ويز" إلى تمتين العلاقة بين وادي السيليكون والمؤسستين العسكرية والاستخبارية الإسرائيليتين، بحيث يؤدي قدامى المحاربين في "الوحدة 8200"، دوراً رئيساً.

يقول أحد منظمي حملة "لا لبرنامج أزور للفصل العنصري"، حسام نصر، وهو موظف سابق في مايكروسوفت فُصل لمشاركته في وقفة احتجاجية في الشركة، "إن أكبر استحواذ على شركة أمن سيبراني إسرائيلية في هذه اللحظة يُمثل لحظة حاسمة لكشف حقيقة غوغل وشركات التكنولوجيا الكبرى، حيث سيتمكن عملاء سابقون في الوحدة 8200 من الوصول إلى تقنيات وبيانات غوغول، التي لا يمكن الوثوق بأنها ستمنع استخدامها لأغراض خبيثة".

نقله إلى العربية: حسين قطايا