"فايننشال تايمز": هل تستطيع فرنسا قيادة "الغرب الصغير" فعلاً؟

مع تراجع أميركا، تحلم باريس بإخراج "الأمة العظيمة" من التقاعد. هل تستطيع؟

0:00
  • الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
    الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

صحيفة "فايننشال تايمز" تنشر مقالاً يستعرض التحدّيات التي تواجهها فرنسا في محاولتها استعادة دورها القيادي في أوروبا والعالم في ظلّ تقلّبات السياسة الدولية وأزمات الدفاع.

أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:

قال شارل ديغول، "لا يمكن لفرنسا أن تكون فرنسا من دون عظمة"، لكنّ البلاد تمكّنت بطريقة أو بأخرى من الاستغناء عن العظمة لعقود. ومع تناقص قوّتها لم يبقَ سوى الديكور، والقصور الفخمة حيث يعمل العديد من المسؤولين الفرنسيين من ضمنهم رئيس البلاد. مع أنّ تحليق الطائرات الحربية في يوم الاحتفالات بالعيد الوطني الفرنسي يليق بقوة عظمى، حيث لطالما راودت خيال باريس عودة الأميركيين إلى ديارهم يوماً ما من أوروبا، لتعود الأمة الفرنسية العظيمة إلى مجدها بعد تقاعدها. 

ومن المرعب أنّ دونالد ترامب هو من يحقّق هذه الأمنيات الفرنسية الطموحة الآن لقيادة ما يمكن تسميته "الغرب الصغير". لكن، هل يمكنها ذلك؟

للإحاطة أجريت عدّة مقابلات وجلسات محادثة مع مسؤولين فرنسيين مؤخّراً، وبعضها جرى في غرف تعود إلى القرن الـ18 ذات أسقف منحوتة بأشكال بديعة.

يعتزّ الفرنسيون بأنّهم كانوا على صواب طوال الوقت بشأن "الاستقلالية الاستراتيجية"، وهي عقيدتهم التي تقول إنّ أوروبا لا ينبغي أن تعتمد على الولايات المتحدة في أمنها. ومع ذلك، فقد اضطرّوا أيضاً إلى إعادة التفكير بحذر، لأنّهم كانوا مخطئين في مسألة لا تقلّ أهمّية وهي الصداقة مع فلاديمير بوتين.

إنّ سياسة التعامل مع موسكو كثقل موازن لواشنطن تعود إلى زمن الرئيس الفرنسي شارل ديغول. وعلى الرغم من أنّه لم يكن متحمّساً للاتحاد السوفياتي إلّا أنّه سعى للتقارب مع الكرملين، وكذلك فعل إيمانويل ماكرون، بموافقة ضبّاط الجيش الفرنسي المحافظين الموالين لبوتين. وقبل أيام من الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، كانت المخابرات الفرنسية لا تزال تقول إنّه لن يفعل ذلك. وفي اليوم الذي فعل فيه ذلك، اتصل فولوديمير زيلينسكي بماكرون، وطلب منه أن يقول لصديقه "توقّف".

الآن تأمل فرنسا في حشد القوى الغربية المناهضة لبوتين، ولا يمكنها القيام بذلك من خلال القوة العسكرية. يقول الباحث غيوم لاغان، إنّ "في فرنسا دائماً هناك فجوة بين الطموح والقدرات"، مع أنّ فرنسا 9 أكبر منفق عسكري في العالم، وتخصّص 2.1% من الناتج المحلّي الإجمالي للدفاع، أو 1.6% باستثناء رواتب العسكريين المتقاعدين. كذلك تفتخر فرنسا بامتلاكها الجيش الأوروبي الوحيد الذي يتمتّع بخبرة قتالية حديثة، لكنّ ذلك كان في الغالب في منطقة الساحل الأفريقي، والآن قد أجبرت على الخروج من هناك في عام 2023، تماماً كما فشلت في معظم الحروب التي خاضتها منذ العام 1940.

تمتلك فرنسا جيشاً كاملاً، من المفترض أنّهُ مجهّز لجميع أنواع الحروب، لكنّ "المصغّرة". على سبيل المثال، يمكنها حاليّاً أن تحشد ربّما 5000 جندي مقاتل ضدّ روسيا، لكنّ هذا العدد غير كافٍ لإقناع بوتين بالقلق. كما أنّ أسطولها البحري لن يكون مفيداً أو مجدياً في أيّ حرب برّية في أوروبا. تتحدّث فرنسا عن منح "مظلّة نووية لجيرانها، لكنّها تمتلك نحو 300 رأس نووي مقارنة بامتلاك روسيا نحو 5,580، وهي تريد الآن مضاعفة الإنفاق الدفاعي، لكنّها غارقة في أزمة ميزانية.

تعلم فرنسا أنّها لا تستطيع أن تكون قبضة الغرب. وبدلاً من ذلك، تطمح إلى أن تكون العقل والفم. فهي تعتبر نفسها صاحبة الثقافة الاستراتيجية الأكثر تطوّراً في أوروبا. ويستطيع رئيسها التحدّث، باللغة الإنكليزية على عكس بعض أسلافه، إلى أيّ زعيم أجنبي من بنيامين نتنياهو إلى حكّام إيران والرئيس الصيني شي جين بينغ. ويقول المسؤولون الفرنسيون إنّ ماكرون يهاتف ترامب كلّ يومين. وهم يشعرون بالغضب عندما يتباهى المنافس الوحيد لفرنسا في قيادة "الغرب الصغير"، المملكة المتحدة بمحادثاتها مع كييف.

لكنّ، فرنسا لا تستطيع القيادة إلّا إذا قبلها الآخرون واتّبعوها، بينما دول شرق أوروبا تعادي سياسة ماكرون الجديدة واستجابتها تحوّلت إلى سؤال للرئيس الفرنسي "أنتم وجيش من سيقاتل؟". فالدول مثل بولندا لا تستطيع الانتظار سنوات لترى ما إذا كانت أوروبا قادرة على حشد دفاعها الخاص، وهي تحتاج إلى الدفاع الآن، وتأمل أن يواصل ترامب والولايات المتحدة توفيره.

كذلك، يتذكّر الأوروبيون الشرقيون أيضاً أنّ فرنسا انسحبت من القيادة العسكرية الموحّدة لحلف "الناتو" من عام 1966 حتّى عام 2009، وغازلت بوتين حتّى بعد شهر شباط/فبراير في العام 2022.

لا يثق الأوروبيون بأولويات دولة كانت حتّى وقت قريب تقاتل في أفريقيا، وتصف نفسها بأنها "قوة في المحيطين الهندي والهادئ". قال لي عقيد في الجيش إنّ فرنسا لا تزال غير متأكّدة ممّا إذا كان القتال من أجل أوكرانيا يصبّ في مصلحتها الوطنية، بينما يقلق المسؤولون الفرنسيون أكثر من عودة ظهور "داعش" في سوريا، أو من تداعيات الحرب الإسرائيلية على  غزّة، خاصة وأنّ فرنسا تضمّ أكبر جاليتين من المسلمين واليهود في أوروبا.

قد لا يكترث الرئيس الفرنسي المقبل بأوكرانيا. قد تخلف مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف ماكرون في انتخابات العام 2027، وهي معجبة قديمة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفي عام 2022 ترشّحت للرئاسة داعية إلى توثيق العلاقات بين حلف "الناتو" وروسيا، ووعدت بالانسحاب من القيادة العسكرية للحلف، مع أنّ حزبها يقول الآن إنّ هذا لن ينطبق في زمن الحرب. وفي عام 2023 فقط، سدّد حزبها قرضاً بدا وكأنّه نسّق سابقاً من قبل الكرملين.

لا يمكنك قيادة الغرب إذا كنت مستعدّاً للتخلّي عنه. الوِلايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي يمكنها تغيِير رأيِها فجأة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو ما فعلته فرنسا ذات مرّة.

نقله إلى العربية: حسين قطايا.