"فورين بوليسي": جنوب السودان إلى الحرب مجدّداً

سلّطت المعارك الأخيرة واعتقال زعماء المعارضة الضوء على التوترات العرقية المتفاقمة في البلاد وعلى هشاشة اتفاق السلام الذي تم التوصل إليه عام 2018.

  • "فورين بوليسي": جنوب السودان إلى الحرب مجدّداً

مجلة "فورين بوليسي" الأميركية تنشر تقريراً تتناول فيه التوترات العرقية والإنسانية المستمرة في جنوب السودان، وخصوصاً في سياق اتفاق السلام لعام 2018 الذي يواجه تهديدات مستمرة.

أدناه نص التقرير منقولاً إلى العربية:

حذّرت الأمم المتحدة في الشهر الماضي من أنّ جنوب السودان يتّجه مرّة أخرى نحو الحرب، فيما أخبار البلاد تتصدّر عناوين الصحف الدولية، بعدما هاجم مسلحون من ميليشيا عرقية تدعى "الجيش الأبيض" طائرة مروحية تابعة للأمم المتحدة في مدينة الناصر التي تشهد قتالاً بين الجيش الوطني لجنوب السودان والميليشيا المحلّية المتمرّدة المذكورة.

لقد وقع الحادث حين كانت بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة تحاول إجلاء جنرال في الجيش الحكومي وجنوده عندما أطلق مقاتلون من "الجيش الأبيض"، ومعظمهم من قبيلة النوير العرقية، النار عليهم، ما أسفر عن مقتل 28 شخصاً، من بينهم أحد أفراد طاقم الأمم المتحدة.

اتهمت حكومة جنوب السودان والرئيس سلفا كير حزب المعارضة الرئيسي في جوبا بزعامة نائب الرئيس رياك مشار بالتحريض على الهجوم، واعتقلت قياداته، من ضمنهم مشار نفسه، وبعضهم وضع تحت الإقامة الجبرية.

وقد كشف هذا الحادث استمرار التوتّرات العرقية المتفاقمة في جنوب السودان، وهشاشة اتّفاق السلام لعام 2018، الذي أفضى إلى تشارك السلطة بين حكومة كير التي تمثّل إلى حدّ كبير قبيلة الدينكا، والتي تعتبر أكبر أقلّية عرقية في بلد يضمّ أكثر من 60 مجموعة عرقية، والجيش الشعبي لتحرير السودان والمعارضة التي يتزعّمها مشار، والتي ينحدر معظم قيادتها من قبيلة النوير؛ ثاني أكبر أقلّية عرقية في البلاد.

مع ذلك، فإنّ الحرب لم تتوقّف في جنوب السودان، وكان اتّفاق السلام مهدّداً بالفعل. ورغم اندلاع القتال مؤخّراً في منطقة أعالي النيل الغنية بالنفط، صعدت القوات الحكومية هجماتها على مقاتلي المعارضة في مناطق أخرى.

وفي بداية العام الجاري، أفاد نازحون فرّوا مِن ولاية غرب الاستوائية بأنّ القوات الحكومية هاجمت مقاتلي المعارضة هناك. وبعد ذلك بشهر، استهدفت القوات الحكومية حاكم الولاية التي يسيطر عليها الجيش الشعبي لتحرير السودان، وأجبرته على الاختباء. كما قال السكان المحلّيون أيضاً إنّ القوات الحكومية هاجمت قوات المعارضة في منطقة بحر الغزال. 

وقامت حكومة كير باعتقال شخصيات من المعارضة في الأشهر الأخيرة، واُتّهمت بدعم استهداف المجتمعات المحلّية من غير قبيلة الدينكا، منتهكة بذلك شروط تقاسم السلطة واتّفاق السلام، ما زاد المخاوف من تجدّد العنف العرقي على نطاق واسع.

وفي وقت سابق على حادث مروحية الأمم المتحدة، كانت القوات الحكومية قد هاجمت روّاد السوق المحلّيين من قبيلة النوير، حيث أصيب أحد أفراد قوات حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة في البلدة نفسها.

وقد كان لميليشيا النوير علاقة معقّدة مع مشار، الذي سبق أن فرض سيطرته على المجموعة لتعزيز مكانته. وعلى الرغم من أنّ "الجيش الأبيض" تأسّس في البداية كميليشيا دفاع أهلية، فإنّه قدّم دعماً حاسماً لقوات المعارضة التابعة للحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة مشار. وعام 2014، اعترفت قيادة الجيش الشعبي لصحيفة "نيويورك تايمز" بأنّ ميليشيا النوير قدّمت ما يصل إلى 80% من قواتها في القتال في ولاية أعالي النيل.

ومع ذلك، ومنذ ذلك الحين، انتهى الأمر بالجيش الشعبي لتحرير السودان إلى سيطرة وقيادة أقلّ بكثير على "الجيش الأبيض"، وخصوصاً في سعيه لتحقيق أجندته الانتقامية من قوات قبيلة الدينكا الحكومية التي قتلت الآلاف من قبيلة النوير في مذبحة في العاصمة جوبا عام 2013. وفي الوقت نفسه، أدّى تضاؤل النفوذ السياسي لمشار إلى قصور في قدرته المحدودة أصلاً على تزويد الميليشيا بالموارد الضرورية، مثل الأسلحة والذخيرة والتنسيق مع القوى الأخرى.

وانخفضت شعبية مشار داخل المعارضة منذ عام 2018، بسبب عدم تنفيذ الترتيبات الأمنية الواردة في اتّفاقية السلام، الأمر الذي أدّى إلى انشقاق جنود الجيش الشعبي لتحرير السودان، كما انشقّ بعض كبار الضبّاط وانضمّوا إلى حكومة كير بسبب اختيارات مشار والتعيينات السياسية التي يصدرها.

ومع الانتهاكات المتكرّرة لاتّفاق السلام التي تقوم بها الحكومة في المقام الأوّل، أصبح الهجوم الأخير الذي شنّه "الجيش الأبيض" على مروحية الأمم المتحدة هدية سياسية للرئيس كير. وعلى الرغم من إصدار "الجيش الأبيض" بياناً ينفي فيه تبعيته لمشار، فإنّ كير والجيش استغلّوا ادّعاءات مشار السابقة بالسيطرة على الميليشيا المذكورة لمهاجمته مع أعضاء المعارضة الآخرين في جوبا، وفي المقابل تحميلهم مسؤولية انهيار اتّفاق السلام.

كما أنّ اعتقال مشار بحكم الأمر الواقع يعد بمنزلة إقالة من منصبه كنائب للرئيس، وهو ما يعدّ انتهاكا نهائياً لاتّفاقية السلام، وكانت الحكومة قد بدأت بالفعل بقصف معاقل "الجيش الأبيض" في منطقة أعالي النيل في شباط/فبراير الفائت، كما أقال الرئيس كير أيضاً حاكم الولاية في منتصف الشهر الماضي عقب اندلاع الأحداث الأخيرة، لكنّ الوضع في ناحية الناصر ليس سوى أحد العوامل التي تدفع كير إلى سياسة التصعيد.

والنظام في جوبا غير مستقر على نحو متزايد، وهذا يهدّد قبضة الرئيس على السلطة، ويؤجّج من اندفاعه إلى استعادة السيطرة. وتفيد التقارير بأنّ صحة كير تدهورت منذ عام 2022، ما قلّل ظهوره العلني. وفي تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي، أقال كير رئيس المخابرات ومنافسه على السلطة أكول كور، ووضعه تحت الإقامة الجبرية، واستبدله بأحد الموالين له في محاولة لإعادة السيطرة على جهاز الأمن الوطني الذي يمكن القول إنّه أفضل القوات المسلحة تجهيزاً وتمويلاً في جنوب السودان.

لم تكن هذه هي المرّة الأولى التي يقيل فيها كير منافساً صاعداً له، فقد شعر بالتهديد من قبل، حين أقال قائد الجيش بول مالونق عام 2017 للأسباب نفسها كما يتكشّف. 

وفي مفاجأة كبيرة، أقال كير أيضاً منذ نحو شهرين النائب الثاني للرئيس والأمين العام لحزبه جيمس واني إيقا، واستبدله بصهره رجل الأعمال بنجامين بول ميل، الذي فرضت عليه الحكومة الأميركية عقوبات بسبب اتّهامات الفساد التي تلاحقه، ومنها الاستفادة من عقود حكومية بعشرات الملايين من الدولارات.

وخلقت ترقية كير العلنية لصهره ميل، الذي يعتبر شخصية غير مؤثّرة نسبياً، مزيداً من عدم الاستقرار السياسي من خلال إغضاب الكثيرين في الجيش وجهاز الأمن الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان الحاكمة، وفقاً لمصدر داخلي طلب عدم الكشف عن هويته خوفاً من الانتقام.

وفي الوقت نفسه، لم تدفع الحكومة رواتب موظّفيها الحكوميين، بمن فيهم الجنود، إلّا مؤخّراً بعدما ظلّوا من دون رواتب لأكثر من عام. وفي أعقاب موجة القتال الأخيرة في ناحية الناصر، رفض بعض الجنود الحكوميين الانتشار في أعالي النيل لقتال "الجيش الأبيض"، وبعضهم أعلن ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي. وقد ترك العديد منهم مواقعهم بالفعل.

ومع احتدام الصراع في السودان المجاور، ارتفع معدّل الفقر في جنوب السودان إلى ما يقدر بنحو 92%، بسبب تعطل إنتاج النفط الذي يشكل أكثر من 90% من الإيرادات الوطنية للبلاد.

لا يعيش شعب جنوب السودان تحت أيّ وهم، وهو يعلم أنّ اتّفاق السلام مات فعلياً، ولن تكون هناك انتخابات كما كان مقرّراً عام 2026، وهو قلق أيضاً بشكل متزايد من موجات جديدة من القتل العرقي في جميع أنحاء البلاد. وتفيد مصادر ميدانية بأنّ رجال قبيلة النوير منعوا من مغادرة البلاد عند النقاط الحدودية، وأنّ جنود الحكومة المتمركزين قرب مواقع تمركز الجيش الشعبي لتحرير السودان، وقرب مقرّ منظّمة الوحدة الأفريقية التي قُصفت مؤخّراً، بدأوا باستهداف المدنيين من المجموعات العرقية غير المنتمية إلى قبيلة الدينكا باعتبارهم معارضة.

وقد أجبر تزايد عدم الاستقرار الرئيس سيلفا كير على اللجوء إلى القوات الأوغندية مرّة تلوى أخرى؛ فمنذ أواخر عام 2013 وحتى مطلع عام 2014، اعتمد كير على قوات الدفاع الشعبية الأوغندية لمنع المعارضة من الانقضاض على جوبا وإطاحة نظامه. وعام 2016، قامت القوات الأوغندية بإجلاء المواطنين الأوغنديين رسمياً من جنوب السودان، ولكنّها واصلت أيضاً دعم نظام كير والقتال إلى جانب قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان في جوبا.

وتنظر أوغندا إلى جنوب السودان على أنه فناؤها الخلفي، وإلى كير على أنّه ربيبها. وقد تفاخر قائد قوات الدفاع الشعبي الأوغندية موهوزي كاينروغابا، نجل الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، في منشور على منصّة "إكس" حذفه لاحقاً بإطلاق عملية "الحامي الصامت" باللغة السواحلية في جنوب السودان. وفي منشور منفصل آخر، أشار كاينروغابا إلى كير بصفته "الأخ الأصغر" لوالده موسيفيني.

واتهَم المنتقدون كاينروغابا بنشر منشورات حرضت على المزيد من العنف العرقي في جنوب السودان، وذكرت إذاعة "تمازوج" التي تتّخذ من هولندا مقرّاً لها، أنّ كاينيروغابا نشر في موقع "إكس" في 22 آذار/مارس الماضي، ووسط القصف الحكومي المدعوم من قوات الدفاع الشعبي الأوغندية على مدينة الناصر وسكانها المدنيين: "لقد سئمت من قتل النوير. قولوا لزعيمكم رياك مشار أن يركع أمام رئيسنا فخامة الرئيس سلفا كير"، ثمّ حذف المنشور أيضاً بعد ذلك.

كذلك، يزيد السياق الإقليمي من جرأة كير الذي استخدم ثروة بلاده النفطية في اللعب على طرفي الحرب في السودان، وهي استراتيجية يشاركه فيها موسيفيني. كما يعتمد جنوب السودان على خطوط الأنابيب السودانية لتصدير نفطه الخام من ميناء بورتسودان الذي تسيطر عليه القوات المسلحة السودانية، التي تعتمد جزئياً أيضاً على رسوم عبور نفط جنوب السودان لمحاربة خصمها قوات الدعم السريع. ومع ذلك، فإن نفط جنوب السودان مرهون للداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع، وهي الإمارات العربية المتحدة، ما يزيد تعقيد الوضع.

وتسمح حكومة جنوب السودان للإمارات العربية المتحدة (أكبر مقرض للبلاد) ببناء مستشفى على حدود السودان يشاع أنّه يعالج جنود قوات الدعم السريع. وقد نفت الحكومة هذه المزاعم، ولكن ظهرت مؤخّراً تقارير تفيد بأنّ حكومة جنوب السودان ربّما تكون قد استخدمت قوات الدعم السريع لاعتقال أفراد من الجيش الشعبي لتحرير السودان في شمال أعالي النيل واستهداف رجال "الجيش الأبيض" الفارّين إلى السودان، فقد أصبحت الحروب في السودان وجنوب السودان الآن متشابكة تماماً.

كذلك، إنّ نشر قوات الدفاع الشعبي الأوغندية منذ نحو شهرين، ومشاركتها الفعّالة في الحرب، وقصفها قوات الجيش الحكومي في جنوب السودان إلى جانب قوّات الجيش الوطني الشعبي، واستخدامها الأسلحة الكيماوية، كما أفادت التقارير، لا يؤدّي إلّا إلى تصعيد الحرب وتحويلها إلى صراع إقليمي.

ومن المرجّح أن يكون كير قد أخذ في الحسبان نهج عدم التدخّل الأميركي في قراراته. وعام 2013 مثلاً، خلال مذبحة جوبا التي راح ضحيتها الآلاف من المدنيين من قبيلة النوير على يد قوات الدولة التي ينتمي معظمها إلى قبيلة الدينكا المكونة من عدة أجهزة أمنية، أدى الدبلوماسيون الكنديون والأميركيون دوراً حاسماً في إنقاذ بعض المواطنين مزدوجي الجنسية بإجلائهم من مطار جوبا.

وقد كثفت حكومة جنوب السودان مؤخراً ضغوطها على الأمم المتحدة لسحب وجودها من محيط مطار جوبا والانتقال إلى ضواحي المدينة البعيدة، ما يحول دون أن تشهد بعثة الأمم المتحدة الكثير من أعمال القوات الحكومية في المدينة، وهذا يمكن أن يحدّ بشكل خطير من قدرتها على توفير ملجأ ينقذ حياة المدنيين الفارّين من عمليات القتل التي تقوم بها الحكومة ويضعف من قدرة البعثات الدبلوماسية الأخرى أيضاً.

وفي الوقت نفسه، أغلقت الحكومات الأجنبية، من ضمنها النرويج وألمانيا، سفاراتها في جوبا، بسبب مخاوف من تجدّد الحرب الأهلية، كما أمرت الولايات المتحدة جميع موظفيها غير الأساسيين بإخلاء البلاد.

كذلك، أفادت التقارير بتسارع وتيرة الاعتقالات التي طالت سياسيين بارزين من النوير، بل وامتدّت إلى أقاربهم في الأسابيع الأخيرة.

وبعدما أعلنت الحكومة بوضوح نيّتها حلّ الجيش الشعبي لتحرير السودان وتوحيده مع القوات الحكومية، قامت الحكومة منذ شهرين بقصف موقع لتجمع هذا الجيش على بعد 18 ميلاً فقط غرب عاصمة البلاد في ونليت، وأفادت التقارير بأنّها كرّرت العملية على قاعدة تدريب للجيش الشعبي في ناحية رجب في الجنوب من جوبا بعد يومين.

في هذه الأثناء، نشر مشار رسالة دعا فيها المجتمع الدولي إلى الضغط لسحب الوجود العسكري الأوغندي في جنوب السودان، لأنّه ينتهك اتّفاق السلام لعام 2018، ما أدّى إلى اعتقاله مؤخراً على الأرجح بتهمة إثارة التمرّد.

التاريخ لا يعيد نفسه تماماً، ولكن لا توجد حالياً أيّ قيود تمنع حكومة جنوب السودان من العودة إلى حرب شاملة، ومن استهداف المدنيين على أساس عرقي، سواء في جوبا أو خارجها.

نقله إلى العربية: حسين قطايا.