الهجرة بَدلًا من السجن.. جدل واسع في مصر بشأن قانون "المسؤولية الطبية"

إقرار قانون "تنظيم المسؤولية الطبية وسلامة المريض" في مصر أثار موجة جدل واسعة، إذ يرى أطباء أنه يهددهم بالسجن والغرامات ويدفعهم للهجرة، برغم تأكيد الحكومة أنه يوازن بين حقوق المريض والطبيب.

0:00
  • الهجرة بَدلًا من السجن.. جدل واسع في مصر بشأن قانون
    الهجرة بَدلًا من السجن.. جدل واسع في مصر بشأن قانون "المسؤولية الطبية"

دفع إقرار البرلمان المصري قانون "تنظيم المسؤولية الطبية وسلامة المريض" في آذار/مارس الماضي، وهو الأول من نوعه في تاريخ البلاد، الطبيب الثلاثيني أحمد عايد إلى التفكير جدياً في الهجرة للعمل في الخارج، وترك ممارسة مهنة الطب في القاهرة، خشية تعرضه للسجن أو الغرامة حال حدوث مضاعفات طبية، غير مقصودة، لمريض أجرى له جراحة عظام في المستشفى الحكومي الذي يعمل فيه حالياً.

في غرفة صغيرة بمستشفى الهلال الأحمر للعظام بالقاهرة، يجلس عايد، طبيب جراحة العظام، يتصفح الرسائل النصية المتبادلة بينه وبين أصدقائه الأطباء العاملين خارج البلاد، ويقول لـلميادين نت، بنبرة يملؤها الإحباط: "أفكر يومياً في السفر بعد إقرار القانون، فإلى جانب الرواتب المتدنية، أصبحت أخشى السجن أو دفع غرامة لا أملكها بسبب خطأ طبي غير مقصود".

ويهدف القانون الجديد، الذي أثار جدلاً واسعاً وشهد مناقشات طويلة استمرت لأشهر واعتراضات واسعة من الأطباء، إلى تنظيم العلاقة القانونية بين الطبيب والمريض، ووضع إطار للمساءلة القانونية في حالات الأخطاء الطبية.

ووفق إحصائيات غير رسمية، يبلغ عدد الأخطاء الطبية في مصر سنوياً نحو 180 ألف حالة، وتتسبب في شطب نحو 20 طبيباً من جداول النقابة سنوياً.

قانون لا يحمي الأطباء

وبرغم إدخال تعديلات على القانون، مثل إلغاء عقوبة السجن والحبس الاحتياطي، ووضع تعريف واضح للخطأ الطبي، وخفض الغرامة إلى 10 آلاف جنيه (200 دولار) بدلاً من مليون جنيه، أعلن رئيس الجمعية المصرية لجراحة القلب والصدر، الدكتور الحسيني جميل، اعتزاله ممارسة الطب الإكلينيكي والجراحة، والاكتفاء بالتدريس الجامعي، احتجاجاً على القانون.

كما لا تُشعر هذه التعديلات الطبيب محمود الشناوي بالأمان أو الحماية، بل بالتهديد، خاصة في بيئة عمل تتسم بالتهديد المستمر، ومستشفيات تفتقر إلى المستلزمات والمعدات الطبية، مما يعرض الأطباء للاعتداءات.

 ويضيف لـلميادين نت: "القانون يزيد الضغط على القطاع الطبي الذي يعاني من ترهل كبير، سأكون معرضاً للحبس أو الغرامة أو الاعتداء مع أي خطأ غير مقصود".

الشناوي، طبيب مقيم بقسم الجراحة العامة بمستشفى الدمرداش العام، يلفت إلى أن الطبيب المصري يعمل في مستشفيات الحكومة وسط بيئة قاسية، تتسم بنقص فرص التدريب والتعلم، وراتب متدنٍ لا يتجاوز 6 آلاف جنيه (120 دولاراً) للطبيب المقيم. ويضيف: "بالكاد أستطيع دفع إيجار شقتي بهذا الراتب، ولولا عملي في مستشفى خاص لما استطعت العيش والإنفاق على زوجتي وابني".

ومنذ عام 2019، استقال أكثر من 11 ألف طبيب من القطاع الحكومي، وفق نقابة الأطباء، التي أكدت أن عام 2021 شهد أكبر عدد من الاستقالات بواقع 4127 طبيباً.

بيئة عمل طاردة

يُبدي الطبيب محمد عبد العال، استشاري الباطنة والجهاز الهضمي، الذي يعمل في مستشفى حكومي بالجيزة، قلقه من قانون المسؤولية الطبية.

ويفسر لـلميادين نت أن القانون يحتوي على مواد فضفاضة تفتح الباب لتأويلات تؤثر على تطبيقه، وقد تؤدي إلى إدانة الطبيب من دون مسؤولية واضحة. ويوضح أن المادة السابعة تشترط إجراء الجراحات غير العاجلة بأن يكون الطبيب مؤهلاً وفقاً لتخصصه وبمزايا إكلينيكية يعتمدها المجلس الصحي المصري، وأن تُجرى التدخلات في منشآت طبية مجهزة بدرجة كافية.

ويشير إلى أن "نظام الامتيازات الإكلينيكية لا يُطبق حالياً في مصر، فكيف يُحاسب الأطباء على أمر غير مطبق؟ كما أن معاقبة الطبيب بسبب عدم جاهزية المستشفى غير منطقي، إذ إن المسؤولية تقع على المستشفى وليس الطبيب".

داخل عيادته الخاصة بحي الدقي، يقول عبد العال، إن "المادة 23 تعني محاكمة الطبيب بموجب قانون العقوبات المصري، وليس فقط وفق قانون المسؤولية الطبية، بينما المادتان 24 و25، اللتان تحظران الاعتداء على الأطباء والمنشآت الطبية، جاءتا بعقوبات هزيلة لا تردع المعتدين".

ووفقاً لوزارة الصحة المصرية، يعمل أكثر من 60 بالمائة من الأطباء المصريين خارج البلاد، وتتزايد أعدادهم سنوياً، حيث يسافر الأطباء إلى دول الخليج، ألمانيا، الولايات المتحدة، وبريطانيا، التي تحتل المركز الثالث في عدد الأطباء الأجانب بنحو 4 آلاف طبيب.

تبرير حكومي وردّ نقابي

تدافع النائبة إيرين سعيد، عضو لجنة الصحة بالبرلمان، عن القانون، مؤكدة أنه حقق توازناً بين حقوق الطبيب والمريض، وأن الطبيب لا يُحاسب إلا على الخطأ المتعمد. لكن الدكتور إيهاب الطاهر، أمين عام نقابة الأطباء الأسبق، يرى أن القانون لا يزال يهدد الأطباء بالحبس بموجب قانون العقوبات، مما يزيد من دوافع الهجرة. ويضيف: "الأطباء يضطرون للهجرة بسبب تدني الأجور، وسوء بيئة العمل، والمحاسبة كالمجرمين في قضايا المهنة، والاعتداءات المتكررة، والتعنت الإداري".

أما نقيب الأطباء، الدكتور أسامة عبد الحي، فيقول لـلميادين نت، إن القانون بصيغته النهائية متوازن، ويركز على العقوبات المالية للأخطاء الطبية العادية، بينما يقتصر الحبس على الأخطاء الجسيمة التي تنطوي على إهمال متعمد أو مخالفات قانونية صريحة، مثل ممارسة المهنة بدون ترخيص، مشيراً إلى أن حوالى 7 آلاف طبيب يهاجرون سنوياً بسبب ترهل المنظومة الصحية.

اخترنا لك