لا مأوى ولا أمان في الجنوب.. الغزّيون يواجهون التهجير بقرار البقاء
أهالي غزة يواجهون تهديدات الاحتلال بالنزوح جنوباً بقرار جماعي: "لن ننزح"، معتبرين أنّ البقاء في مدينتهم صمود في وجه مخطط التهجير القسري. وبين قصف متواصل وتكاليف نزوح باهظة، يثبت الغزيون أنّ الدفاع عن البيت والذاكرة أهون من مواجهة نزوح مجهول.
-
لا مأوى ولا أمان في الجنوب.. الغزّيون يواجهون التهجير بقرار البقاء
مع تصاعد التهديدات الإسرائيلية باجتياح مدينة غزة والدفع بسكانها نحو النزوح جنوب وادي غزة، يزداد إصرار الأهالي على البقاء في مدينتهم، مهما كانت التضحيات. فبالنسبة للغزيين، مغادرة المدينة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل اقتلاع من البيوت والذاكرة، وتسليم لمخطط تهجير قسري تقوده حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلي. لذلك، يواجهون تهديدات الاحتلال بقرار جماعي واضح: "لن ننزح".
وبرغم الحصار الخانق الذي جعل السيولة النقدية شبه معدومة، وبرغم عجز الكثيرين عن دفع تكاليف المواصلات أو تأمين مأوى بديل، يرى المواطنون أن الجنوب الذي يصفه الاحتلال بـ"الآمن" لا يختلف عن الشمال: قصف متواصل، نزوح متكرر، وخيام مكتظة لا تكفي حتى لتأمين أبسط احتياجات الحياة.
القصف وتداعيات النزوح
ومنذ 11 آب/أغسطس، تتعرض مدينة غزة لقصف جوي ومدفعي مكثف من قبل الاحتلال الإسرائيلي، مستهدفاً المباني والطرقات بشكل منهجي، خاصة في الأحياء الشمالية والشمالية الغربية والشرقية والجنوبية. وأدى هذا القصف إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان قسراً، بحثاً عن مناطق أكثر أماناً غالباً في وسط المدينة والمناطق الغربية، حيث يواجهون مأساة إنسانية متفاقمة وسط ازدحام ونقص شديدين في الخدمات الأساسية.
وفي وقت سابق من آب/أغسطس، أعلن مكتب رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، أنّ المجلس الوزاري المصغّر (الكابينت) أقرّ خطة تهدف إلى السيطرة على مدينة غزة، مع ما وصفه بضمان تقديم المساعدات الإنسانية للسكان المدنيين خارج مناطق القتال، في خطوة اعتبرها مراقبون جزءاً من مخطط أوسع للضغط على المدنيين نحو النزوح القسري.
النزوح عبء مستحيل
بهذا الواقع، لم يعد النزوح خياراً مطروحاً عند كثير من العائلات، بل صار البقاء في غزة شكلاً من أشكال الصمود والمواجهة، ورفضاً واضحاً للتسليم بمخطط الاحتلال.
ففي هذا السياق، أكّد المواطن أبو أديب الغرباوي، من سكان حي الرمال في غزة، أنّه حسم خياره بعدم النزوح إلى الجنوب، مشدّداً على أنّ النزوح يشكّل عبئاً مادياً ونفسياً يفوق قدرة الناس.
وأوضح أنّ مغادرة البيت قد تعني فقدانه نهائياً، في وقت تتطلب فيه رحلة النزوح تكاليف باهظة، إذ تصل أجرة المواصلات – سواء عبر السيارات أو "التكاتك" أو حتى العربات التي تجرها الحيوانات – إلى نحو 1800 شيكل، وهو ما وصفه بالأمر المرهق والمستحيل بالنسبة لغالبية العائلات.
وأضاف الغرباوي أنّ مناطق جنوب غزة مكتظة بالنازحين ولم يعد فيها أي مكان لاستيعاب مزيد من العائلات، لا في مخيمات الوسطى ولا في مواصي خان يونس.
وبيّن أنّه شاهد العديد من الأسر التي نزحت مؤخراً من شمال القطاع قد عادت أدراجها إلى حي الرمال بعدما فشلت في العثور على بقعة فارغة لنصب خيامها أو لتأمين مأوى بديل، مضيفاً أنّ هذا الواقع يؤكد أن خيار البقاء في غزة برغم المخاطر يبقى أهون من مواجهة مصير النزوح المجهول.
الخرائط الإسرائيلية وموقف البلديات
في موازاة ذلك، نشر الجيش الإسرائيلي خرائط حدّد فيها بعض المناطق الضيّقة باعتبارها وجهات "آمنة" داعياً سكان مدينة غزة للنزوح إليها. غير أنّ مسؤولي البلديات في محافظتي الوسطى والجنوب شدّدوا على أنّ تلك الخرائط لا تعكس الواقع، موضحين أنّه لا توجد مساحة واحدة قادرة على استيعاب خيمة نزوح جديدة في ظل الاكتظاظ الحاد.
وبيّن المسؤولون أنّ الاحتلال ما زال يصنّف شرق محافظتي الوسطى والجنوب على أنها مناطق حمراء تتعرض للقصف المتواصل، في وقت انهارت فيه البنية التحتية بشكل شبه كامل.
وأكّدوا أنّ استمرار الضغط على المدنيين للنزوح نحو هذه المناطق لا يعني سوى التمهيد لكارثة إنسانية جديدة، مضيفين أنّ الجنوب لم يعد يحتمل أي أعداد إضافية من النازحين.
عبء تكاليف ومعاناة لا تنتهي
كما أوضح المواطن محمد مرتجى، الذي نزح في بداية الحرب مع عائلته إلى جنوب القطاع قبل أن يعود إلى غزة عقب اتفاق وقف إطلاق النار مطلع كانون الثاني/يناير الماضي، أنّ تجربة النزوح الأولى كانت قاسية بكل تفاصيلها.
وبيّن أنّه عاش في ظروف بالغة الصعوبة داخل الخيام التي تفتقد لأبسط مقومات الحياة، مشيراً إلى أنّ العودة إلى منزله في غزة بعد تلك المعاناة كانت بالنسبة له بمثابة عودة الروح إلى الجسد.
وشدّد مرتجى على أنّ الاحتلال يكرر اليوم دعواته للنزوح مجدداً نحو الجنوب، غير أنّه يرفض تكرار التجربة، مضيفاً أنّ ما شهده من انعدام الأمان وتردي الأوضاع هناك يجعله غير مستعد للعودة إلى تلك المعاناة مرة أخرى.
وأكّد أنّ النزوح هذه المرة أصبح أكثر تعقيداً بسبب التكاليف الباهظة، لافتاً إلى أنّ مجرد تأمين المواصلات لنقل العائلة والأغراض قد يتراوح بين 1000 إلى 2000 شيكل، في وقت يصل فيه ثمن الخيمة الواحدة إلى أكثر من 3000، وهو مبلغ لا يستطيع هو ولا أي مواطن في غزة توفيره في ظل انعدام السيولة النقدية.
وأضاف مرتجى أنّ الكلفة الإجمالية للنزوح باتت تقترب من 1000 دولار للوصول إلى جنوب وادي غزة فقط، من دون حتى ضمان وجود قطعة أرض لإقامة خيمة عليها.
وأردف قائلاً إنّ الافتراض بالقدرة على النزوح سيراً على الأقدام من دون أي متعلقات ليس واقعياً أيضاً، إذ يتطلب الأمر السير لمسافة تتراوح بين 20 و40 كيلومتراً حتى الوصول إلى النصيرات أو دير البلح أو مواصي خان يونس، وهو ما يستحيل بالنسبة له لكونه مسؤولاً عن والديه المسنّين.
الدفاع المدني يؤكد المستحيل
وقد أكّد محمد المغير، مدير دائرة الإمداد في جهاز الدفاع المدني، أنّ الواقع على الأرض يناقض بشكل كامل ادعاءات الاحتلال حول وجود مناطق آمنة للنزوح. وبيّن أنّ المواصي، المعروفة باسم "المنطقة الصفراء"، لم تعد قادرة على استيعاب أي موجة نزوح إضافية، كونها مكتظة بشكل خانق وتفتقر لأبسط مقومات الحياة اليومية.
وأضاف المغير أنّ الاحتلال يسيطر عسكرياً على نحو 85% من مساحة الجنوب في القطاع، مشدّداً على أنّ الحديث عن "مساحات فارغة" ما هو إلا وهم لا يمت للواقع بصلة.
وأوضح أنّ هذه المناطق تفتقد للمياه الكافية والخدمات الصحية، كما تعاني من غياب شبكات الصرف الصحي والنظافة العامة، ما يزيد من صعوبة أي محاولة للنزوح إليها.
القراءة الحقوقية
وفي السياق نفسه، تطرّق تقرير حقوقي أصدره "مركز الميزان" إلى الادعاءات الإسرائيلية حول وجود مناطق خالية جنوب القطاع لاستقبال المهجرين من شماله، مشيراً إلى أنّ هذه التصريحات تشكّل محاولة لتضليل الرأي العام وتبرير لعمليات التهجير الجماعي والتطهير العرقي.
وأوضح المركز أنّ المخططات الإسرائيلية لا تؤدي سوى إلى تعميق الكارثة الإنسانية، وتعريض المدنيين لمخاطر حقيقية على حياتهم، خاصة أنّ المناطق المشار إليها مكتظة بالفعل وتفتقر لأبسط مقومات الحياة، مع استمرار استهداف المدنيين فيها.
وبيّن التقرير أنّ الكثافة السكانية في تلك المناطق تصل حالياً إلى نحو 45 ألف نسمة لكل كيلومتر مربع، وأن أي تهجير إضافي لسكان شمال غزة قد يرفع هذا العدد إلى نحو 90-100 ألف نسمة، بعد سيطرة الاحتلال على مدينة رفح منتصف العام الماضي وتحويلها إلى منطقة عسكرية مغلقة بالكامل، مؤكداً أنّ أي نزوح جماعي نحو الجنوب سيكون بلا مأوى حقيقي وبخطر متزايد على المدنيين.
الصمود الرد الحقيقي
وفي ظل استمرار القصف والحصار وانعدام الموارد الأساسية، يثبت أهالي غزة أنّ الصمود ليس مجرد خيار بل موقف جماعي راسخ، يرفض التهجير القسري والنزوح نحو مناطق لا توفر الحد الأدنى من الأمن أو الحياة الكريمة.
وبينما يحاول الاحتلال تقديم الخرائط والادعاءات عن مناطق "آمنة" جنوب القطاع، تؤكد الحقائق الميدانية وشهادات المواطنين والجهات الحقوقية أن هذه الادعاءات لا تمت للواقع بصلة، وأن أي محاولة للنزوح الجماعي ستُعقّد الأزمة الإنسانية وتزيد من معاناة السكان.
يبقى البقاء في غزة بالنسبة للغزيين موقفاً وقراراً يعكس إصرارهم على حماية بيوتهم وذكرياتهم وأرضهم، وسط أفق ضيق من الخدمات والموارد، ليؤكدوا أنّ الصمود في المدينة هو الرد الحقيقي على سياسات التهجير القسري، ومواجهة مباشرة لمحاولات الاحتلال لإفراغ المدينة من سكانها بالقوة.