تصاعد التوترات بين أميركا وإيران: جزيرة دييغو غارسيا في قلب الأحداث

أصبحت دييغوغارسيا قاعدة عسكرية رئيسة للولايات المتحدة، بحيث تضم مدارج طويلة للطائرات، وموانئ للسفن الحربية، ومنشآت تخزين للأسلحة والمعدات العسكرية، إضافةً إلى مراكز استخبارات ومراقبة متطورة.

  • تعزيز الوجود العسكري الأميركي في دييغو غارسيا.
    تعزيز الوجود العسكري الأميركي في دييغو غارسيا.

في عام 2025، شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران تصعيداً ملحوظاً، وخصوصاً مع تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب باتخاذ إجراءات عسكرية ضد طهران إذا لم توافق على التفاوض بشأن برنامجها النووي. في هذا السياق، برزت جزيرة دييغو غارسيا كقاعدة استراتيجية مهمة لتعزيز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.​

تقع جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، وهي جزء من إقليم المحيط الهندي البريطاني، وتُعَدّ واحدة من أهم القواعد العسكرية الأميركية خارج الولايات المتحدة. تتميز الجزيرة بموقعها الاستراتيجي بين الشرق الأوسط، وأفريقيا، وجنوبي آسيا، الأمر الذي يجعلها نقطة انطلاق رئيسة للعمليات العسكرية الأميركية في هذه المناطق.

تعزيز الوجود العسكري الأميركي في دييغو غارسيا

منذ السبعينيات، أصبحت دييغوغارسيا قاعدة عسكرية رئيسة للولايات المتحدة، بحيث تضم مدارج طويلة للطائرات، وموانئ للسفن الحربية، ومنشآت تخزين للأسلحة والمعدات العسكرية، إضافةً إلى مراكز استخبارات ومراقبة متطورة. وتستخدم الولايات المتحدة القاعدة في دعم العمليات الجوية والبحرية، وخصوصاً خلال الحروب في العراق وأفغانستان.

ورداً على التوترات المتزايدة، قامت الولايات المتحدة بنشر ست قاذفات B-2 Spirit ذات القدرة النووية في قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي. ووفقاً لتقارير وكالة "أسوشيتد برس"، تم تحليل صور الأقمار الاصطناعية، التي أظهرت هذا الانتشار، الأمر الذي يشير إلى استعدادات لعمليات محتملة ضد أهداف في الشرق الأوسط، بما في ذلك إيران. 

بالإضافة إلى ذلك، أرسلت الولايات المتحدة طائرات مقاتلة من طراز  F-35، وطائرات من دون طيار من طراز  Predator، ومجموعتين من حاملات الطائرات، وبطاريات صواريخ باتريوت إلى المنطقة. هذا التعزيز العسكري يهدف إلى دعم العمليات في اليمن، وردع إيران عن أي تصعيد محتمل، الأمر الذي يعزز قدرتها على تنفيذ ضربات جوية في حال نشوب صراع عسكري مع إيران. كما يُعتقد أن القاعدة تحتوي على صواريخ كروز وأسلحة استراتيجية يمكن استخدامها ضد أهداف إيرانية.

تهديدات إيران واستعداداتها

في المقابل، أصدرت إيران تهديدات مباشرة باستهداف القاعدة العسكرية في دييغو غارسيا في حال تعرضها لهجوم أميركي. وأفاد تقرير لموقع "Maritime Executive"  بأن وسائل الإعلام الإيرانية أشارت إلى أن القاعدة تقع ضمن مدى صواريخ "خرمشهر" والطائرات المسيرة "شاهد-136B"، الأمر الذي يجعلها هدفاً محتملاً للرد الإيراني.

وسط هذه التوترات، توصلت المملكة المتحدة وموريشيوس إلى اتفاق مبدئي بشأن نقل سيادة جزر شاغوس، التي تضم جزيرة دييغو غارسيا، إلى موريشيوس. حظي هذا الاتفاق بموافقة الرئيس ترامب، ويتضمن دفع المملكة المتحدة 90 مليون جنيه إسترليني سنوياً لمدة 99 عاماً للمحافظة على قاعدة دييغو غارسيا. وأثار هذا الاتفاق جدلاً واسعاً في المملكة المتحدة بسبب تكلفته المالية وتأثيره في السيادة الوطنية. 

الجانب القانوني والانتقادات والنزاع بشأن سيادة الجزيرة

على رغم أن دييغو غارسيا تُدار من بريطانيا، فإنها تُستخدَم بصورة كاملة من جانب الجيش الأميركي. وتعرضت الحكومة البريطانية لانتقادات بسبب ترحيل سكان الجزيرة الأصليين في الستينيات والسبعينيات لمصلحة إنشاء القاعدة العسكرية. كما تواجه الولايات المتحدة انتقادات بسبب استخدام الجزيرة في عمليات عسكرية مثيرة للجدل، مثل الغارات في الشرق الأوسط وبرامج الاعتقال السرية.

جزيرة دييغو غارسيا جزء من إقليم المحيط الهندي البريطاني، وهو أرخبيل تديره بريطانيا منذ الستينيات. ومع ذلك، تطالب موريشيوس بالسيادة على الجزيرة، بحيث تعدّها جزءاً من أراضيها التي استولت عليها بريطانيا بصورة غير قانونية قبل استقلال موريشيوس في عام 1968. في عام 2019، أصدرت محكمة العدل الدولية (ICJ) حكماً غير ملزم يؤكد أن سيطرة بريطانيا على الجزيرة غير قانونية، وطالب بإعادتها إلى موريشيوس. في عام 2021، أيدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار، ودعت بريطانيا إلى إنهاء إدارتها للجزيرة.

على رغم هذه الأحكام، فإن بريطانيا استمرت في تأجير الجزيرة للولايات المتحدة لاستخدامها قاعدة عسكرية، الأمر الذي أثار انتقادات دولية واسعة، وخصوصاً من دول أفريقية تدعم مطالب موريشيوس. 

إحدى أبرز القضايا القانونية والإنسانية المرتبطة بدييغو غارسيا هي تهجير السكان الأصليين من جزر شاغوس، والتي تضم دييغو غارسيا، خلال الستينيات والسبعينيات. 
تم توجيه اتهامات إلى الولايات المتحدة باستخدام دييغو غارسيا في عمليات احتجاز غير قانونية، ونقل معتقلين إلى سجون سرية ضمن برنامج "الترحيل الاستثنائي" الذي استخدمته وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) بعد هجمات الـ11 من سبتمبر.

إلى أين تتجه المواجهة؟

مع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار حشد القوات الأميركية في جزيرة دييغو غارسيا، تبدو المنطقة على حافة مواجهة عسكرية قد تكون الأخطر منذ أعوام. من جهة، تواصل واشنطن تعزيز وجودها العسكري وإرسال رسائل ردع قوية، بينما ترد طهران بتهديدات مباشرة واستعدادات عسكرية تشمل تطوير صواريخ بعيدة المدى وزيادة نفوذها في الشرق الأوسط.

السيناريوهات المحتملة تتراوح بين ضربات استباقية أميركية ضد المنشآت النووية الإيرانية، وعمليات انتقامية إيرانية تستهدف القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تصعيد واسع يشمل أطرافاً إقليمية ودولية.

وعلى رغم الجهود الدبلوماسية التي قد تُبذل لتفادي الحرب، فإن وجود قاعدة دييغو غارسيا كمنصة انطلاق للعمليات العسكرية الأميركية يجعل أي تصعيد أكثر خطورة، بحيث يمكن أن تتحول إلى هدف مباشر للصواريخ الإيرانية، وهو ما يفتح الباب أمام نزاع إقليمي غير مسبوق.

الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مستقبل المواجهة، فإما أن تنجح الضغوط السياسية في احتواء الأزمة، وإما تنزلق المنطقة إلى صراع مفتوح قد يعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط والمحيط الهندي.