"إسرائيل" بين نتنياهو وما بعده: صراع الهوية ومخاطر الدولة الدينية

المعارضة الإسرائيلية مفكَّكة، والنخب ضعيفة، والجنرالات خارج اللعبة، وهذا يعني أن نتنياهو لا يواجه تهديداً حقيقياً حالياً. وهذا يمنحه فرصة أكبر لتنفيذ مشروع "إسرائيل الجديدة" الدينية القومية من دون مقاومة فعالة.

0:00
  • "إسرائيل" الجديدة، الذاهبة في اتجاه "الدولة الدينية القومية"، نموذج للفشل.

نجاح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في احتواء الأزمات الإسرائيلية الداخلية المتفاقمة، موقتاً، لا يعني أن "إسرائيل" ستحافظ على استقرارها، بل ربما نشهد تحولاً بنيوياً طويل الأمد يؤثر بالتأكيد في "إسرائيل" وشكلها وطبيعتها في المستقبل، فتلك الأزمات تعبير عن صراع عميق داخلياً بين تيارين: 

الأول: اليمين الديني القومي المتطرف، والذي يريد "إسرائيل جديدة" دينية، لا حضور لليبرالية فيها (ديموقراطية) متحالف مع اليمين القومي العلماني (من يدور في فلك حزب الليكود). وسهّل هذا التحالف مصلحة نتنياهو، شخصياً وسياسياً.

الثاني: التيار الليبرالي، الذي بات يسمى تيار الوسط، وتحالفه مع قادة بقايا اليسار الإسرائيلي، ومعهم الناقمون من اليمين العلماني على نتنياهو كشخصية فاسدة. وهذا التيار يمثّل "إسرائيل" القديمة، كما أسسها دافيد بن غوريون، ويحاول المحافَظة على شكلها السياسي السابق. 

نتنياهو، من خلال شخصيته وقدرته على المناورة، وفهمه العميق للمزاج الشعبي الإسرائيلي، وعلاقاته الوطيدة بالأميركيين، ساسةً ومجتمعاً، يُعَدّ رمانة الميزان بين كل هذا الاستقطاب، وعاملاً مهماً في إدارة الأزمات وعدم انفلاتها، من خلال قدرته على ضبط الإيقاع بين التيارين. وحتى في ظل الأزمات الأخيرة، فإن نتنياهو، بدهائه وخبرته، لم يحرق الجسور بين الطرفين، حتى مع ترجيح التحليل القائل إنه سيستطيع تخطي أزماته الداخلية ويبقى في الحكم، نتيجة أسباب، أهمها: 

1. أنانية الأحزاب وقادتها: 

كل زعيم معارض يسعى لمصلحته الشخصية، بدلاً من تشكيل جبهة موحَّدة ضد نتنياهو. 

نتنياهو يستغل هذا الانقسام، ويعيد خداعهم في كل مرة، عبر اللعب بورقة "الأمن القومي".

2. انهيار الثقافة السياسية والوعي الشعبي: 

نتنياهو نجح في خلق بيئة عدائية ضد النخب الأكاديمية واليسارية، الأمر الذي جعل الشارع الإسرائيلي غير مكترث للقيادات الفكرية والعلمية، بل يَعُدّها "خائنة" أو "ضعيفة". 

هذا يقلّل فرص ظهور قادة جدد لديهم الشرعية الجماهيرية لمواجهة التيار اليميني المتطرف، وخصوصاً الديني.

3. إضعاف نفوذ الجنرالات والمؤسسة العسكرية: 

الجيش كان دائماً مؤثراً في السياسة الإسرائيلية، لكن نتنياهو سحب هذه الورقة، عبر قانون يمنع الجنرالات المتقاعدين من دخول السياسة فوراً، الأمر الذي أدى إلى فقدانهم التأثير الشعبي بمجرد خروجهم من الخدمة. أضف إلى ذلك استغلال نتنياهو كارثة السابع من أكتوبر في إحداث تغييرات جوهرية داخل بنية الجيش، الأمر الذي يجعله أكثر انصياعا للمستوى السياسي، وأضعف دوره في صنع القرارات المصيرية. 

النتيجة؟ 

المعارضة مفكَّكة، والنخب ضعيفة، والجنرالات خارج اللعبة، وهذا يعني أن نتنياهو لا يواجه تهديداً حقيقياً حالياً. 

هذا يمنحه فرصة أكبر لتنفيذ مشروع "إسرائيل الجديدة" الدينية القومية من دون مقاومة فعالة، لكن هذا المشروع لا يمكن تنفيذه في عهد نتنياهو فقط. وحتى لو استطاع سَنّ القوانين اللازمة لذلك، فستحتاج استمراريتها إلى فترة طويلة لتصبح أعرافاً ومسلّمات داخل النظام السياسي والاجتماعي الإسرائيلي، الأمر الذي يطرح سؤالاً مركزياً بشأن من سيخلف نتنياهو، سواء في حال سقوطه أو انتهاء حياته السياسية؟ وهل هناك شخصية أخرى داخل التيار اليمين المتطرف قادرة على ضبط التوازن بمهارته نفسها؟ الأمر الذي إن لم يتحقق، يجعل مستقبل "إسرائيل" بعده مفتوحاً على سيناريوهات خطيرة: 

1. انهيار التوازن السياسي داخل اليمين نفسه، الأمر الذي قد يؤدي إلى صراعات داخلية على القيادة.

2. تنامي نفوذ القوى الدينية المتطرفة، على نحو سيؤدي إلى مزيد من القطيعة مع التيار العلماني الليبرالي، وإلى مواجهة أعمق مع المؤسسات القضائية والاقتصادية.

3. احتمال تفكك سياسي أوسع، وخصوصاً إذا استمرت الانقسامات بشأن طبيعة النظام والدولة، الأمر الذي قد يشعل احتجاجات ضخمة أو حتى مواجهات عنيفة داخل "إسرائيل" نفسها (حرب الإخوة).

إذاً، فرضية التيار الليبرالي الصهيوني، القائلة إن أزمات "إسرائيل" الداخلية تنتهي بمجرد سقوط نتنياهو، فرضية مشكوك في صحتها، فالأزمة لن تنتهي بسقوط نتنياهو، بل ستفتح الباب أمام صراع أعمق على هوية "إسرائيل" نفسها، من دون وجود ضابط لإيقاعها، وخصوصاً مع تزايد قوة التيار الديني الصهيوني المتطرف داخل اليمين الإسرائيلي، بصورة خاصة، والمجتمع الإسرائيلي بصورة عامة، وخصوصاً أن احتمال انتقال دفة قيادة اليمين الإسرائيلي من حزب الليكود اليميني العلماني إلى أحزاب الصهيونية الدينية وارد جداً. وما يرشَح من استطلاعات الرأي بشأن تقدم رئيس الوزراء الأسبق (نفتالي بينت)، أحد قادة الصهيونية الدينية على نتنياهو في حال شكّل حزباً جديداً في الانتخابات المقبلة، مؤشر على أن المزاج الشعبي الإسرائيلي يريد بديلاً من نتنياهو أكثر يمينية وتطرفاً واقترابا إلى الصهيونية الدينية، لكنه أقل فساداً من نتنياهو. 

"إسرائيل" الجديدة، الذاهبة في اتجاه "الدولة الدينية القومية"، نموذج للفشل، بسبب عدة عوامل، أهمها:

1. التيار الديني لا يؤمن بالحلول السياسية مع العرب والإقليم، ويعتمد على تقديس احتلال الأرض والعسكرتارية في حل المشاكل، انطلاقاً من دوافع دينية محضة، الأمر الذي سيجعل "إسرائيل" في حالة اشتباك دائم مع الجميع.

هذا الأمر سيؤثر داخلياً في مدى صلابة المجتمع الإسرائيلي، من عدة أوجه.

أولاً، سيزداد الضغط على التيار العلماني والتيار القومي اللذين يخدم في الجيش، على حساب التيار الحريدي الديني الرافض للمشاركة.

ثانياً، موازنة "الجيش" والاستيطان والاحتلال للأراضي سترتفع إلى نِسَب كبيرة، قد تتجاوز 40% من مجمل الناتج القومي الإسرائيلي، وبذلك تتراجع نسب الرفاهية والتنمية، الأمر الذي سيحول "إسرائيل" إلى "دولة" غير مرغوب فيها للهجرة اليهودية، أو حتى السكن فيها مقارنة بدول أوروبا أو الولايات المتحدة الأميركية، وهذا تدمير لأساس المشروع الصهيوني أن تكون "إسرائيل" "دولة" آمنه ومريحة لليهود في العالم.

2. علاقة "إسرائيل" بالغرب، في غياب الديموقراطية اليهودية في "الدولة الدينية" المقبلة، ستُفقد "إسرائيل" القيم المشتركة بينها وبين الغرب الديموقراطي، وهذا سيزداد تدهوراً مع ارتفاع المجازر التي تقوم بها "إسرائيل" في معاركها مع الإقليم. وبالتالي، ستفقد "إسرائيل" التضامن الأخلاقي معها في الغرب، والذي حصّلته فيما بعد الهولوكوست والادعاء أنها الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.

3. الدعم الأميركي لن يبقى لامتناهياً في ظل الفجوات السياسية والمصالحية بين "إسرائيل"، "دولة الهالخاه التوراتية، وبين أميركا العلمانية الليبرالية، والتي لها مصالح في كل بقاع العالم، وخصوصاً في الشرق الأوسط. صحيح أن اللوبي الإسرائيلي في أميركا قوي، لكنه ليس أقوى من المصالح الاستراتيجية الأميركية. 

وبالتالي، ستصل "إسرائيل" إلى نقطة الانفجار الداخلي، الأمر الذي يؤدي إلى تفككها من الداخل، قبل أن تُهزم من الخارج.