"لا للتهجير" شعارٌ يتردد مجدداً في الميادين المصرية.. أي سياقٍ وأي رسائل؟

انطلاق التظاهرات في القاهرة ومدن مصرية أخرى لدعم فلسطين هو جزء من استراتيجية سياسيّة تجمع بين احتواء الغضب الشعبي، وإظهار الدعم للقضية الفلسطينية، وتوجيه رسائل سياسية إلى الخارج

  • ما بعد
    ما بعد "طوفان الأقصى".. موقف ثابت ضد التهجير!

في آخر أيام شهر مارس/آذار 2025، وعقب أداء صلاة عيد الفطر، احتشد مصريون في الميادين العامة لتأييد نضال الشعب الفلسطيني ضد آلة الموت الإسرائيلية، إذ تم رفع الأعلام الفلسطينية إلى جانب الأعلام المصرية ورُدّدت الهتافات المعهودة الرافضة للاحتلال، لكن الشعارات الأبرز تركزت حول رفض مخططات تهجير أهالي قطاع غزة إلى خارج أراضيهم، وهو الملف الأبرز لدى الدولة المصرية منذ بدء العدوان الإسرائيلي في أكتوبر/تشرين الأول العام قبل الماضي.

اللافت في هذا الحدث أنه تناغم مع مشهد نظير عياد، مفتي الديار المصرية، الذي أطلّ الليلة الأخيرة من شهر رمضان المبارك، لإعلان موعد عيد الفطر، وإلى جواره خريطة فلسطين التاريخية من نهر الأردن حتى البحر الأبيض، بما يشمل المدن والقرى والمناطق العربية التي تم احتلالها، وتأسيس الكيان الإسرائيلي على أنقاضها، وهو أمر استقبله أغلب المصريين بالثناء والإشادة، وقد ظهر ذلك بوضوح من خلال صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.

المؤكّد أن حِراك الشارع المصري صار اليوم مضبوطاً بإرادة أجهزة الدولة، وأصبح كل شيء محسوباً بعناية ويستهدف إيصال رسائل محددة، ذلك بعد فترة سيولة شهدها الوسط السياسي المصري خلال نهايات عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك ووصولاً إلى سنوات ما بعد "الربيع العربي".. فما الرسائل التي تحرص الإدارة المصرية على إيصالها عبر السماح لآلاف المصريين بالإعلان عن موقفهم الداعم للقضية الفلسطينية، وما السياق السياسي العام الذي تأتي فيه تلك التظاهرات الحاشدة؟

أولاً: التعبئة الجماهيرية في مواجهة انفلات اليمين الإسرائيلي

تشعر القاهرة بالقلق إزاء أفكار الأحزاب اليمينية التي تقود "تل أبيب" منذ نهايات عام 2022، مع تأسيس بنيامين نتنياهو حكومته السادسة، والسابعة والثلاثين في عمر حكومات "إسرائيل"؛ فالأفكار الدينية المتطرفة التي تحرّك عدداً من الوزراء داخل تلك الحكومة، والتي تتمثّل في التصريحات السياسية غير المنضبطة واللجوء إلى التصعيد العسكري ضد الجبهات كافة والتحريض على إشعال المنطقة، جميعها أمور تحثّ الإدارة المصرية على الحذر، وتدفعها إلى حشد الرأي العام في الشارع لمواجهة أي تصعيد محتمل.

ولا تخفى على خبراء السياسة في مصر الأيديولوجيات التي تحكم مواقف اليمين المتطرف، وخطورة ذلك على الأمن القومي المصري، تحديداً إذا تعلّق الأمر بسيناء وتجدد الأطماع الإسرائيلية، كذلك ما أثير من قبل بعض السياسيين الإسرائيليين حول المطالبة بإعادة النظر في اتفاقية السلام بين مصر و"إسرائيل"، وهو ما دفع القاهرة إلى تكثيف وجودها العسكري في سيناء لحماية أمنها القومي، وتوجيه رسالة بأن الدولة على أتمّ استعداد لمواجهة أي مخاطر أو مستجدات.

إضافة إلى ما سبق، فإن تحالف اليمين الإسرائيلي المتطرف مع تيارات داخل الإدارة الأميركية لا سيما الجمهوريين، قد يزيد من الضغوط على مصر لقبول تسويات إقليمية لا توافق عليها، أو دفعها إلى اتخاذ مواقف ضمن سياستها الخارجية ربما لا تتوافق مع أجندة العمل المصرية. ولا شك أن مصر منذ عقود تتحاشى الصدام مع البيت الأبيض إلى أبعد درجة ممكنة، من دون أن يعني ذلك التخلّي كلياً عن استقلال القرار أو التفريط في الدور المحوري، عربياً وإقليمياً.

ثانياً: ما بعد "طوفان الأقصى".. موقف ثابت ضد التهجير:

لدى الدولة المصرية موقف واضح إزاء رفض تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وقد تم الإعلان عنه بشكل قاطع على لسان الرئيس السيسي منذ بدء العدوان العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة، والذي أعقب عملية "طوفان الأقصى"؛ وجاء الموقف المصري حينها كردّ فعل على تصريحات وتسريبات كشفت عن مواقف عدد من كبار المسؤولين الإسرائيليين مثل جيلا غامليل، وزيرة الاستخبارات الإسرائيلية (قبل إلغاء الوزارة)، وداني أيالون، نائب وزير الخارجية الإسرائيلي السابق، بالإضافة إلى عسكريين سابقين مثل العميد أمير أفيفي.

 

موقف القاهرة انطلق من ثلاثة مبادئ:

أ‌- الأمن القومي المصري، والتخوّفات المتعلقة بوجود تجمّع كبير لأبناء قطاع غزة على الحدود مع "إسرائيل"، وفي منطقة حساسة أمنياً مثل شبه جزيرة سيناء، والتي كان شمال شرقها معقلاً لعدد من التنظيمات المتطرفة.

ب‌- رفض تصفية القضية الفلسطينية، وتحقيق أحلام مؤسسي الكيان بالاستيلاء على أرض خالية بلا شعب.

ت‌- قلق الأجهزة المصرية أن يكون ملف التهجير، هو رأس جبل الثلج، وبالتالي يكون التجاوب معه مقدمة لمزيد من التنازلات، خصوصاً في ضوء الأفكار التوسعية التي لها ظل كثيف داخل حكومة الاحتلال اليوم.

طوال عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، كان يبدو أن الدولة المصرية نالت ما أرادت، خصوصاً أن تظاهرات مليونيّة ضخمة كان قد سُمح بتنظيمها خلال تلك الفترة المضطربة في النصف الثاني من شهر أكتوبر/تشرين الأول 2023، وفيها عبّر المصريون عن دعم فلسطين ورفض التهجير؛ لكن الأمور تغيّرت بعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، إذ أعلن بشكل مفاجئ عن دعمه لإخراج أبناء غزة من القطاع في اتجاه مصر والأردن، مُرجعاً ذلك إلى "أسباب إنسانية تتعلق بصعوبة العيش وسط الركام" واعداً بإنشاء مشاريع سياحية ضخمة تحوّل غزة إلى "ريفيرا الشرق"، رفضت مصر بطبيعة الحال، واتحدّ الموقف العربي لإفشال المخطط.

تراجع ترامب عن دعوته، التي كانت قد لاقت تأييداً وافراً من أبرز الوجوه اليمينية المتطرفة، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سيموتريتش، رغم ذلك لم تشعر القاهرة بالاطمئنان، خصوصاً أن اتفاق وقف إطلاق النار كان قد انهار، وعادت قوات الاحتلال لحصد أرواح الفلسطينيين منذ 18/3/2025، بعد أن كانت الهدنة قد صمدت لقرابة شهرين. في ظل تلك المعطيات، أصبحت الإدارة المصرية مطالبة مجدداً بإعلان موقفها الرافض للتهجير والداعم لتعمير قطاع غزة عوضاً عن أي مقترح آخر، في ظل مزاعم رددتها بعض وسائل الإعلام، تتعلّق بقبول مصر محاولات التهجير مقابل مساعدات اقتصادية يتم ضخها لها.

وكانت الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، أكدت منذ نحو أسبوع، رفضها أي محاولة لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، قسراً أو طوعاً، مشيرة إلى أن "السياسة الخارجية المصرية لم تقم قط على مقايضة المصالح المصرية والعربية العليا بأي مقابل، أياً كان نوعه"، وعلى الأغلب رأت الدولة المصرية في أجواء العيد الفرصة المناسبة لتأكيد هذا الموقف، خصوصاً أن المصريين يتألمون فعلياً بسبب مشاهد القتل التي تحدث بحق الفلسطينيين، ويرغبون في التعبير عن مشاعرهم من خلال المسيرات والتظاهرات.

ثالثاً: التشبث بالدور التاريخي

تمتلك مصر كل ما يؤهلها للعب دور قيادي في المنطقة، هذا الدور يتعطّل لفترات بسبب الضغوط الاقتصادية والتوجهات السياسية التي تجرّ البلاد نحو التماهي مع الإملاءات الغربية، على الرغم من ذلك، تحاول الحكومات المتعاقبة الحفاظ على الحدّ المعقول من ذلك الدور، وتجد القاهرة نفسها مدفوعة الآن للقيام بمهمات أكبر، في ضوء التخوّف من انعكاس الأوضاع داخل فلسطين على المنطقة ككل.

السماح مجدداً بعودة الجماهير إلى الشارع بعد فترة انقطاع ومن بوابة دعم القضية الفلسطينية، هي رسالة شديدة الأهمية، وقد وظّفت الدولة الرفض الشعبي المتصاعد للممارسات الإسرائيلية لتعضيد موقفها المُمانع لتهجير الفلسطينيين ولتوفير المعونات لأهالي غزة، ثم لاحقاً في الوساطة بين حركات المقاومة الغزيّة وبين الاحتلال لوقف العدوان، وقد نجحت القاهرة والدوحة في التوصل إلى اتفاق 19/1/2025، وهو ما فتح الطريق لعودة النازحين إلى الشمال وتدفق المساعدات، وتحاول مصر مجدداً إحياء وقف إطلاق النار، بعد انهياره، بسبب رفض نتنياهو التفاوض لبدء المرحلة الثانية، والانسحاب من محور صلاح الدين "فيلادلفيا"، ولجوئه مجدداً إلى الآلة العسكرية.

رابعاً: ضبط التوازن السياسي الداخلي

بعيداً من الأهداف الأساسية للتظاهرات التي انطلقت في مصر بُعيد أداء صلاة عيد الفطر دعماً لقضية فلسطين، وما تعكسه من تناغم بين الموقفين الشعبي الرسمي، واستفادة الحكومة منها لتأكيد وتعضيد موقفها الدبلوماسي على الصعيدين الدولي والإقليمي في مواجهة أي ضغوط خارجية، فإن السماح بالتظاهرات تحت رقابة الدولة يتيح لها إدارة الحراك الشعبي من دون السماح بخروجه عن السيطرة، ويُظهر أن القيادة السياسية تتفهم مشاعر الشعب وتقدّرها، ما يعزز صورتها داخلياً وخارجياً.

وتسعى المعارضة -كقاعدة عامة- لاستغلال الأوضاع المشتعلة إقليمياً للحشد ضد السلطة السياسية، لذا فإن السماح بالتظاهرات يُقلل من احتكار حركات المعارضة للمشهد، فعندما يجري تنظيم الفعاليات في إطار رسمي، تكون مسألة التوجيه أيسر مقارنةً بتحركات غير منظمة قد تخرج عن الإطار المطلوب، ومن المؤكد أن الشارع المصري متفاعل بقوة مع القضية الفلسطينية، ويتيح السماح بالتظاهرات متنفساً للتعبير عن الغضب الشعبي، ما يقلل من احتمالية تحوّل الاحتقان إلى موجات غضب أوسع.

 

وبشكل عام، فإن انطلاق التظاهرات في القاهرة ومدن مصرية أخرى لدعم فلسطين هو جزء من استراتيجية سياسيّة تجمع بين احتواء الغضب الشعبي، وإظهار الدعم للقضية الفلسطينية، وتوجيه رسائل سياسية إلى الخارج، بالأخص القوى الدولية الضاغطة للقبول بتسويات تُفضي إلى تصفية القضية الفلسطينية، مع ضمان بقاء الأمور ضمن المُحدّدات الأمنية والسياسية.