بين السيد نصر الله والشيخ نعيم قاسم
السيد نصر الله من الشخصيات الفذة القليلة في تاريخ الأمة الحديث إلى جانب جمال عبد الناصر، وقد ظلت صورته الوجدانية هي الطاغية بالرغم من دوره الميداني الكبير الذي لم يعد سراً.
-
نصر الله من الشخصيات الفذة القليلة في تاريخ الأمة الحديث.
عرف التاريخ نمطين أساسيين من القادة في تجارب الثورات المختلفة، النمط الأول هو نمط القائد الوجداني، النمط الثاني هو نمط القائد الميداني، ولا يعني ذلك أن الأول ليس ميدانياً وأن الثاني ليس وجدانياً، فقد يكون القائد الوجداني قائداً ميدانياً من الطراز الأول مثل نصر الله.
في القائد الوجداني، ترتبط الكاريزما كما يعبّر عنها ماكس فيبر، بتأثيرات عميقة في الجمهور أبعد ما تكون عن التجليات الشائعة لمفاهيم الهيمنة والسيطرة وتوظيف اللاشعور الجمعي بصورة مبرمجة، وفق مقاربات غوستاف لوبون في سيكولوجيا الجماهير أو الأجراس وفق تجارب العالم الروسي، بافلوف، بل نحن إزاء ظاهرة تاريخية مندمجة تماماً في بيئتها الاجتماعية والثقافية وأحلامها وآمالها.
وقد بات معروفاً أيضاً أن الجمهور المستلب كظاهرة ملموسة عند الجماعات التي تخضع لوعي طائفي مفرغ من أي تجارب جمعية وجدانية، على عكس الجمهور الفاعل مثل الحالة التموزية الاستشهادية وتداعياتها وتمظهراتها في الابن القرباني والأم المقدسة.
أما القائد الميداني الذي قد يكون امتداداً للظاهرة الوجدانية، فهو أقرب إلى العقل العملي بالمنطق الكانطي أو العقل الموضوعي بالمنطق الهيغلي، أي العقل المتعين سواء استعاد نفسه عبر حدوس أعلى أم ظل في دوائر الاشتباك المختلفة.
وإذا كان القائد الوجداني محروساً بالأفكار النظرية المثالية مع مساحات أضيق للمناورات البراغماتية، فإن القائد الميداني أكثر عملية في استرشاداته النظرية من دون التنصل منها تحت أي ظرف.
من باب الاستدراك فإننا لا نتحدث عن نموذجين مفارقين متناقضين، كما في حالة عبر الناصر والسادات مثلاً، بل عن نموذجين من الدائرة نفسها، ومن الأمثلة على ذلك:
- عربياً، أحمد بن بلة وهواري بو مدين، فقد ظلّا مخلصين للثورة الجزائرية رغم الخصومة السياسية التي جعلت الثاني ينقلب على الأول، وإذا كان بن بلة ظل يمثل الصورة الرومنسية للثورة، فقد اختار بو مدين صوت مطارق ومناجل العمال والفلاحين والتعاطي اليومي مع الواقع.
- عالميا، ابتداء من الثورة الفرنسية وفلاسفتها الأوائل وقادتها: روبسبير، ميرابو ودانتون (القادة الوجدانيين الذين ظلوا عالقين في الذاكرة رغم الدم والمقاصل التي أحاطت بتجربتهم)، مقابل القائد الميداني، نابليون، الذي نقل الثورة إلى كل أوروبا وحصونها الإقطاعية – البابوية.
- ومن الأمثلة الأخرى، الثورة الاشتراكية الروسية، لينين ثم ستالين، فعلى أهمية الدور الكبير الذي لعبه لينين في الثورة إضافة إلى أعماله الفكرية، إلا أن صورته النظرية الوجدانية طغت ولا تزال على شخصيته الأخرى، ولا سيما خارج حدود الدولة الروسية.
بالمقابل، رغم أن ستالين قدّم إسهامات نظرية ولا سيما فيما يخص التصورات الاشتراكية للأمة والقومية، إلا أن صورته السائدة هي صورة القائد الميداني، الذي قاد روسيا إلى النصر على النازية وإبعاد الرأسمالية عن أوروبا الشرقية عقوداً طويلة، إضافة إلى دوره في الثورة الصناعية الهائلة.
- يُشار أيضاً إلى حالتي كاسترو وجيفارا، وكيف ظلت صورة القائد الوجداني طاغية عند جيفارا مقابل صورة القائد الميداني عند كاسترو.
ويحفل التاريخ بعشرات الأمثلة وفي حقول عديدة، أظهرت في مرات كثيرة خطأ الاعتقاد بأن القائد الميداني مجرد لحظة في سياق مستنزف، وقد كانت دواعي وخلفيات هذا الخطأ متشابهة إلى حد كبير رغم اختلاف التجارب، فقد تجاوز قادة ميدانيون كل التوقعات ومضوا في الشوط إلى آخره وقلبوا الطاولة على ترتيبات بدت صارمة وعصية على التغيير.
فيما يخص حزب الله، لا يختلف اثنان على الكاريزما الأسطورية لسيد الشهداء وإمامهم، حسن نصر الله، والتي بلغت ما بلغت في وجدان الملايين، الذين كلما تذكروه أدمعت قلوبهم قبل عيونهم.
نصر الله من الشخصيات الفذة القليلة في تاريخ الأمة الحديث إلى جانب جمال عبد الناصر، وقد ظلت صورته الوجدانية هي الطاغية بالرغم من دوره الميداني الكبير الذي لم يعد سراً.
بالمقابل، وعلى الطريق نفسه، طريق فلسطين والقدس والكرامة والمقاومة، قدم حزب الله قائده الميداني، الشيخ نعيم قاسم، في ظروف صعبة ومريرة، كان بينها الامتحان الكبير بعد الفراغ الهائل الذي نجم عن استشهاد السيد، ولم يكن الشيخ غافلاً عن ذلك، ولا سيما أن تعويض ذلك برفع مستوى الاشتباك مع العدو في تلك اللحظات الصعبة، تعويض محفوف بعشرات الاعتبارات والتحسبات.
صحيح أن حجم الدمار الصهيوني الذي أصاب المدنيين، وكذلك القصف الوحشي لهم رداً على بسالة المقاتلين، ألقى بظلاله على الخطابات الأولى للشيخ، إلا أن صورة حزب الله ومقاتليه وقادته بالنسبة إلى الأحرار والشرفاء والوطنيين عموماً، ظلت لا تشبه أي صور ة أخرى، فشيدوا مواقفهم وانطباعاتهم على هذا الأساس.
بعد فترة قصيرة ومع الارتفاع التدريجي المدروس والمحكم في خطابات الشيخ، بدأت ترتسم معالم صورة أخرى له، صورة لقائد ميداني يجهز حزبه ويحصنه ويحضره لمشهد يليق به وبدوره ومكانته ولسنوات تستكمل مسيرة استثنائية من المقاومة المستمرة، والمسؤولة إزاء أهلها والأمن الوطني والاجتماعي، وكذلك إزاء الوفاء الكبير لكل قطرة دم وشهيد سقط على درب الرسالة الكبرى للحق التاريخي، سواء في مواجهة العدو الصهيوني أم في مواجهة الفتنة الطائفية وأدواتها على الحدود وداخلها.
هكذا وجنباً إلى جنب مع تجنيب بيئة المقاومة ولبنان برمته ذرائع العدو وجرائمه وأدواته وتحالفاته، باتخاذ تكتيكات ذكية وطنية، ظهرت مسؤولية ومهارات القائد الميداني بالتأكيد على قدسية السلاح المقاوم، التي لا تقل ضرورة عن متطلبات الدولة ما إن تؤكد نفسها كدولة وطنية ومسؤولة عن رعاية أمن ومصالح كل مكوناتها، وفي إظهار السيادة الحقة إزاء ابتزازات السفارات الأطلسية ومحميات النفط والغاز المسال وجماعات البنك الدولي وبقية أشكال القاتل الآخر، القاتل الاقتصادي – الاجتماعي.
ولقد أكدت الأحداث أن إلحاح السفارات والقوى المذكورة على تجريد المقاومة وخاصة حزب الله من السلاح باسم (حق الدولة في احتكار السلاح) كان مقدمة لتجريف الجنوب وتفريغه وتهجير أهله، مقدمة لنهب الغاز وحوض الليطاني، ولمشروع مذبحة طائفية يتكامل فيها العدو الصهيوني مع عصابات القتلة على الحدود الشرقية كما حدث في الساحل السوري، ومن ثم طي صفحة هذه الفئة المؤمنة من الإماميين الذين رفضوا الخنوع والمهانة على مدار التاريخ تحت شعار الشرف والكرامة والبطولة (هيهات منا الذلة).
أيها الشيخ القائد الميداني، نعيم قاسم، لو تعلم كم باتت خطاباتك الأخيرة تثلج صدور كل الأحرار والشرفاء خارج لبنان وعلى مساحات عربية واسعة، وكم باتت تبعث فينا الطمأنينة ونحن نلمح في هذه الخطابات ذكاء استراتيجياً يجمع بين الحرص على الوحدة الوطنية والسيادة الحقيقية للدولة وبين الحرص حتى الشهادة الكربلائية على سلاح المقاومة ضد العدو الصهيوني، عهداً ووعداً لسيد المقاومة وشهيدها الكبير، فحزب الله ليس ميليشيا، وسلاحه حين يحمله الإماميون، هو سيف الله.