"إسرائيل" الكبرى في مواجهة سوريا الكبرى.. الأبعاد الجيوسياسية لسقوط النظام
سوريا وقفت طويلاً في مواجهة المشروع الصهيوني الذي شكّل منذ أكثر من قرنين من الزمن رأس حربة الهجمة الاستعمارية على منطقتنا.
-
ماذا عن مشروع الغرب لتقسيم سوريا؟
شكّل انهيار النظام السوري بقيادة الرئيس بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر الماضي زلزالاً جيوسياسياً لم يوجّه فقط ضربة قاصية لمحور المقاومة، بل إنه شكّل أيضاً لحظة فارقة لجهة نهاية مشروع النهضة العربية الذي بدأت بذوره في النصف الأول من القرن التاسع عشر تحديداً من سوريا ومصر، كما أنه شكّل نهاية مرحلة من تاريخ سوريا للتحرّر وتحقيق المشروع القومي والتي بدأت مع مشروع سوريا الكبرى في العام 1860 والتي تجسّدت من خلال مشروع المملكة السورية (1918 ـــ 1920) والتي انتهت بمعركة ميسلون لتفتح في المجال أمام قرن كامل من الصراع على سوريا تخللتها محاولات لإطلاق مشروع خاص بها مع مشروع الوحدة السورية الذي نادى به الحزب السوري القومي الاجتماعي في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، ليحوّله الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد (1970 – 2000) إلى استراتيجية مواجهة مع العدو الصهيوني طوال ثلاثة عقود، تلاها صراع على سوريا الكبرى ببعدها العراقي والفلسطيني واللبناني والسوري على مدى الربع الأول من القرن الحادي والعشرين.
مشروع الغرب لتقسيم سوريا
والجدير ذكره أن ما جرى في كانون الأول/ديسمبر 2024 جاء نتيجة حرب شنت على سوريا منذ آذار/مارس 2011 أي على مدى أربعة عشر عاماً، واستخدمت فيها كل الوسائل، والهدف كان دعم المشروع الصهيوني الذي يشكّل امتداداً لمشروع الهيمنة في المنطقة العربية.
هنا تساق الكثير من التبريرات والعوامل وهنالك محاولة لشيطنة خصم الغرب وهو هذه المرة تحديداً الرئيس بشار الأسد وما يمثّله. طبعاً ليس هنالك من نظام ليس فيه أخطاء، وهناك نقد كبير على بنية النظام في سوريا، ولكنّ شيطنة شخصيته كانت في إطار شيطنة سوريا بطريقة غير مباشرة لتبرير ضربها.
والجدير ذكره أن هذه الحرب لم تكن منفصلة عن الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، كما أنها لم تكن منفصلة عن أجندة المحافظين الجدد التي أطلقت مع غزو أفغانستان في العام 2002، ولم تكن منفصلة عن ضرب العراق في العام 1991، ولم تكن منفصلة عن سياق المشروع الصهيوني الذي يطمح لإعادة رسم الجغرافيا السياسية للمشرق وتقسيمه إلى كيانات ما دون وطنية قائمة على العصبيات المذهبية والإثنية، علماً أن ضرب سوريا كان يشكّل الوسيلة لضرب الفكرة القومية التي قامت عليها النهضة العربية، وهذا ما يبرّر دعم الغرب لسلم سياسي مرتبط به منذ الثلاثينيات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا.
الجوهر التاريخي للصراع
لقد وقفت سوريا طويلاً في مواجهة المشروع الصهيوني الذي شكّل منذ أكثر من قرنين من الزمن رأس حربة الهجمة الاستعمارية على منطقتنا، علماً أن الحركة الصهيونية في بداياتها كانت مرتبطة بصعود الرأسمالية المالية تحديداً مع نهاية القرن الثامن عشر.
والجدير ذكره أن المشروع الصهيوني منذ بداياته وظّف نفسه في خدمة المشاريع الاستعمارية الغربية، وحصر تركيزه في فلسطين كمنطلق للسيطرة على كامل بلاد الشام، بل وكامل منطقة المشرق العربي.
وكان لهذا التركيز بعد ديني كما كان هناك بعد آخر والذي هو الصراع على الهوية ما بين الغرب الاستعماري والشرق الذي اخترعوه في مخيّلتهم وفقاً لأهوائهم وأهدافهم الاستعمارية.
كذلك كان هنالك توظيف جيوسياسي للمشروع الصهيوني في خدمة القوى الغربية بدءاً من نابوليون بونابارت فصاعداً. والجدير ذكره أنّ نابوليون كان من أهمّ المفكّرين الاستراتيجيين في التاريخ وهو أولى أهمية خاصة للسيطرة على مصر وبلاد الشام في إطار سعيه للوصول إلى الهند عبر أقصر طريق ممكن. هنا نشأت فكرة أن تكون هنالك دولة يهودية تابعة لفرنسا بناء على رغبة آل روتشلد مموّلي حملة نابليون. وفي العام 1859 حصلت فرنسا على امتياز حفر قناة السويس بالتوازي مع ذلك كانت فرنسا لديها علاقة جيدة مع مصر منذ زمن محمد علي باشا. هذا دفع بنابوليون الثالث الى تركيز أنظاره على توسيع نفوذه في بلاد الشام، فما كان منه إلا أن رعى فكرة قيام مملكة عربية سورية في إطار الدولة العثمانية كان ينادي بها عدد كبير من أركان النخبة العربية أكانوا من المسلمين أو المسيحيين.
فرنسا بين سوريا الكبرى و"إسرائيل" الكبرى
وقد رأى الفرنسيون أنّ مشروع سوريا الكبرى يكون ملكها الأمير عبد القادر الجزائري تحت المظلة العثمانية من الممكن أن يشكّل بعداً جيوسياسياً لفرنسا. في المقابل كان هنالك تيار فرنسي ذو ميول صهيونية دعم فكرة قيام وطن قومي لليهود في فلسطين. لذا فإن بعض النخب الفرنسية ستنادي بإقامة كيان يهودي في فلسطين وكيان كاثوليكي في لبنان وكيان علوي على الساحل السوري من طرطوس إلى مرسين.
هذان التياران الفرنسيان، توزّعا بين مؤيّد لفكرة دولة عربية في سوريا في مقابل دولة كيانات طائفية في منطقة المشرق. كل هذا سوف يؤسس في ما بعد إلى المشروع الصهيوني الذي ينادي بوطن قومي لليهود في فلسطين ويكون مجاله الحيوي سوريا الكبرى، في مواجهة مشروع قومي عربي أساسه سوريا كمنطلق لتوحيد بلاد العرب، وتطوّرت الفكرة من توحيد الأقطار العربية تحت المظلة العثمانية والمناداة بحقوق العرب وصولاً إلى فكرة الانفصال التامّ على أعتاب الحرب العالمية الأولى وما تلاها. هنا انتقلت الرعاية ومركز الثقل الصهيوني السياسي إلى بريطانيا والاقتصادي المالي إلى أميركا.
وبناء عليه فإن المرحلة الممتدة من العام 1920، تاريخ سقوط المملكة السورية الأولى على يد الفرنسيين بعد معركة ميسلون، وكانون الأول/ ديسمبر من العام 2024، ستشكّل مرحلة صراع بين مشروع صهيوني مرتبط بالمشاريع الإمبريالية المتعاقبة الفرنسية ثم البريطانية ثم الأميركية للهيمنة على المنطقة العربية وقلبها سوريا، ومشروع قومي سعى لتحرير الأقطار العربية انطلاقاً من مشروع قومي قاعدته دمشق، وستكون ساحة الصراع الرئيسية هي سوريا الكبرى التي تضمّ سوريا ولبنان والأردن وفلسطين.