العقبات في وجه رؤية "إسرائيل الكبرى" (2/2)
شكّل الصمود الإيراني في مواجهة الحرب الأميركية الإسرائيلية الهجينة طوال عقود، مشكلة عصية في وجه المشاريع الغربية في المنطقة.
-
ألقى نتنياهو قنبلته في رؤية "إسرائيل الكبرى"، وهو يدرك حقيقة الواقع الذي يتحرك في ظله.
تناول الجزء الأول من هذه المقالة عوامل النجاح الثمانية المفترضة، في رؤية نتنياهو لمشروع "إسرائيل الكبرى"، وهي في مجملها تتصل بنجاحات نتنياهو حتى الآن في تجاوز كل الكوابح الداخلية ليواصل جرائمه في غزة وعموم المنطقة، خاصة أن هذه الجرائم ظهرت ككاسحة ألغام في طريق هذا المشروع، حيث غزة عاصمة المقاومة مدمرة تلعق جراحاتها وجوع أطفالها وأطلالها المدمرة، والضفة تمر بأسوأ فترة من تاريخها، حيث نجحت الحملة الإسرائيلية العسكرية في تدمير تاج المقاومة مخيم جنين ومعه شمال الضفة.
وظهر العدوان الإسرائيلي على إيران ولبنان وسوريا، باعتباره تغييراً لوجه الشرق الأوسط في مصلحة "إسرائيل"، فيما شكّل الدعم الأميركي، خاصة في عهد ترامب، عاملاً أساسياً ثابتاً في قدرة نتنياهو على المضي في خططه التوسعية الإجرامية، في ظل الضعف الأوروبي مع الانحياز بالنتيجة لمصلحة "إسرائيل"، إضافة إلى مشاركة أنظمة التطبيع العربية والإسلامية في دعم "إسرائيل" عملياً، وإن رفعت شعارات الغضب من جرائمها "على عينك يا تاجر".
ألقى نتنياهو قنبلته في رؤية "إسرائيل الكبرى"، وهو يدرك حقيقة الواقع الذي يتحرك في ظله، وأن كل النجاحات التي حققها حتى الآن منوطة باكتمال هزيمة الأمة، وهو ما يعجز نتنياهو حتى اللحظة عن تحقيقه، إضافة إلى عقبات أخرى مكملة نقف عليها فيما يلي:
أولاً: عجز نتنياهو عن تأمين استقرار حكومته داخلياً، في ظل تآكل شعبيته حتى داخل الليكود، وقد تبين بعد استطلاع مركز أبحاث المجلس القومي الأمني الإسرائيلي، أن غالبية أعضاء حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو يريدون وقف الحرب على غزة، ضمن صفقة تعيد الأسرى الإسرائيليين في غزة، إضافة إلى تصاعد التوتر بين نتنياهو وقيادة جيش الاحتلال، وأيضاً مع المنظومة الأمنية، كما مع القضاء والهستدروت ومعظم مؤسسات الدولة، وتشير كل استطلاعات الرأي أن حظوظ نتنياهو لتأمين أغلبية في أي كنيست مقبلة معدومة، ولم يتبقَّ لدورة الكنيست الراهنة سوى ستة أشهر.
ولا يخفى ضمور حزب الليكود من دون نتنياهو، ويُرجَّح تفككه مع غياب قيادات قوية بديله داخله، في ظل انحسار شعبية حلفاء الليكود في كتلة بن غفير وسموتريتش، وربما ذهابهما نحو خلق أزمات غير محسوبة، كما أن الشخصيات المرشحة لقيادة "إسرائيل" بعد نتنياهو لا تملك الحد الأدنى من الكاريزما، وتفتقر إلى الطموح السياسي التوسعي، مثل لابيد وليبرمان وغانتس وحتى بينيت، مع رجحان انشغال "إسرائيل" في لعق جراحاتها بعد الحرب، ربما لأربع سنوات مقبلة على الأقل، واحتمال تصاعد مشكلة الحريديم في رفض التجنيد، ما يعني أزمة مستفحلة مع حركتي شاس وديغل هتوراه.
ثانياً: صمود غزة وهي أصل المعركة منذ السابع من أكتوبر، بل منذ سقطت فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي وهي نقمة يحاول كل زعماء "إسرائيل" الخلاص منها، حتى أن رابين تمنى أن يستيقظ يوماً ليجد أن البحر قد ابتلعها، وجاء بعده شارون لينسحب منها كلياً ويحاصرها طوال سنوات حتى الآن، في وقت أخذت فيه غزة المبادرة وأقامت صرح مقاومة تكلّل عنفوانها في السابع من أكتوبر، وما زال على الرغم من كل العذابات التي صبّت عليها بما لم يعرف له التاريخ البشري مثيلاً.
تواصل غزة عنادها وقتالها واحتفاظها بالأسرى الإسرائيليين منذ قرابة سنتين، وما زال نتنياهو يواصل حرب الإبادة بحق أطفالها ونسائها، دون أن يكسر إرادة أبطالها في القسام والسرايا والجبهة وعامة أهلها، وهو صمود وضع العالم كله أمام سؤال الإنسانية والحضارة والقيم الأخلاقية، ويمثل هذا الصمود الغزي الفلسطيني عقبة رئيسة في قدرة "إسرائيل" على تحقيق طموحها في إقامة "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات، لأن هذا العجز مع غزة يجعل الكيان يدور حتى الآن في حلقة مفرغة، ويجعل كل نجاحاته الأمنية الأخرى مفرغة من مضامينها، ما دامت لا تؤدي إلى كسر عناد غزة واستسلامها، وهي رأس حربة المقاومة.
ثالثاً: صمود إيران العسكري والسياسي في احتضان المقاومة ودعمها من دون تراجع، وهو دعم بدأ منذ أن تشكلت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين بقيادة المؤسس الشهيد فتحي الشقاقي عام 1985، ثم ما لبث أن تطور بدعم حزب الله في لبنان، ثم لاحقاً حركة حماس بعد سنة 1995، وهو ما ظهر ملياً بعد سيطرة حماس على غزة، والاحتضان الإيراني الكامل لكل فعاليات المقاومة بالمال والسلاح والدعم السياسي الصريح.
شكّل الصمود الإيراني في مواجهة الحرب الأميركية الإسرائيلية الهجينة طوال عقود، مشكلة عصية في وجه المشاريع الغربية في المنطقة، حتى جاء العدوان الإسرائيلي الأميركي الشامل ضد إيران في حزيران الماضي، وهو العدوان الذي ذاقت فيه إيران الأمرّين، ولكنها صمدت ثم نجحت في إيذاء "إسرائيل" بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخها، حتى اضطرت إلى طلب وقف الحرب، وهي تعلم، كما الجميع، أن الحرب الشاملة مع إيران دشنّت فصلها الأول ولكنها لم تضع أوزارها بعد، ما يجعل الوقاحة الإسرائيلية في الإعلان عن مشروع "إسرائيل الكبرى" مغامرة غير مأمونة العواقب، في ظل نفوذ إيران في المنطقة وقدرتها على عرقلة مشروع كهذا، مع تأكيد نتنياهو ومعظم قادة الكيان أن إيران كانت وما زالت تشكل خطراً وجودياً على "إسرائيل".
رابعاً: رفض حزب الله التنازل عن سلاحه، على الرغم من وقفه للحرب "مع إسرائيل" منذ أشهر عديدة، ما يجعل قدرته على استئناف الحرب واردة، خاصة في ظل الضغوط التي يتعرض لها لنزع سلاحه، سواء من قبل النظام اللبناني أو الضغوط الأميركية عبر النافذة السورية، والأهم مواصلة الاغتيالات الإسرائيلية بحق كوادره، وهي ضغوط تحمل في طياتها احتمال انفجار الموقف، وهو ما ذكره الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم مراراً، ما يُبقي قوة حزب الله كتهديد رئيسي يمنع استقرار "إسرائيل"، ويحول دون تطوير مشاريعها التوسعية، لذا يحتفظ الكيان بعدة فرق عسكرية في الشمال بشكل دائم، ما يمنع تفرغه لتحقيق أطماعه التوسعية، ثم البقاء في حالة دفاعية من الناحية الاستراتيجية، وإن كان ميدانياً يواصل عدوانه على لبنان بشكل يومي.
خامساً: تضارب أولوية المصالح بين أميركا ونتنياهو، على المستوى الإقليمي والعالمي، على الرغم من أن ترامب وفريق واشنطن الحاكم داعم ثابت لـ"إسرائيل" حتى في جرائمها التوسعية، إلا أن تضارب المصالح والتحديات والعامل الزمني، ربما يحول دون توفير غطاء أميركي لتنفيذ رؤية كهذه، وهي رؤية ستطيح دولاً مركزية في المنطقة تابعة لأميركا مثل مصر والأردن.
سادساً: تصاعد عزلة "إسرائيل" عالمياً، وهي تحمل أصداء تشوش على قدرة "إسرائيل" في التوسع الإقليمي، ما يدفع العالم وخاصة الشعوب الغربية إلى المواجهة مع "إسرائيل" في شتى مناحي الحياة.
سابعاً: تصاعد الفوضى في العالم العربي حال التوسع الإسرائيلي على حساب الأنظمة الحاكمة في العالم العربي، وتحديداً دول الطوق، وهي الأنظمة التي ما زالت تضمن حبس شعوبها عن واجب التصدي لـ"إسرائيل"، وما يجري في سوريا مثال حيّ، حيث التناقضات الداخلية تجعل الواقع الشعبي قابلاً للانفجار أو عاملاً يُحسَب حسابه في ظل تصدع عوامل كبحه.
ثامناً: تضرر تركيا من مشروع كهذا قد يدفعها إلى إعاقته، خاصة أن ممر داوود المرشح كمدماك رئيس لرؤية "إسرائيل الكبرى"، سينطلق في سوريا من المشروع الدرزي حتى يستقر في الحضن الكردي، وكل ذلك في فضاء المصالح التركية العليا، ولا تخفى الحساسية التركية من القضية الكردية، ما يجعلها تتوحد داخلياً ضد أي مشروع قد يتسبب بتمزقها الجغرافي الداخلي.
إن تداخل عوامل نجاح رؤية "إسرائيل الكبرى" مع العقبات المانعة، يعني أن الواقع يتحرك في كل الاتجاهات، خاصة في ظل الحرب الراهنة، وهي حرب تأكل "إسرائيل" في الأساس، وإن كانت تصورها كوحش لا يقف في وجهه أحد، ما يرجّح احتمال انقلاب هذه الوحشية عكسياً مع أول خطأ استراتيجي تقع فيه قيادة "إسرائيل"، كما أمام أدنى مظهر ضعف يعتريها في مفرق طرق مصيري.